المقاومة تدخل عصر الـ(EBO)

عملية الباص: كيف أثرت على صانع القرار الإسرائيلي؟

عملية الباص: كيف أثرت على صانع القرار الإسرائيلي؟
اسرائيليات

الاستقلال/ حيدر المصدّر

من الخطأ الاعتماد على الجانب الارتجالي في تفسير سلوك المقاومة الدعائي، ومن المسيء تناول الأبعاد السطحية لأي رسالة نفسية، دون النظر في سياقها العام، وحالة التداخل بين الجهدين العسكري والنفسي، وما له من تداعيات وآثار متنوعة، تشمل عملية صناعة القرار ذاتها.

 

وعملية "الباص"، التي نفذتها المقاومة الفلسطينية خلال تصعيد الــ24 ساعة، وما تخللها من رشقات صاروخية مركزة، هي مثال حديث، نعتمد عليه خلال محاولتنا شرح سلوك المقاومة النفسي، والطريقة التي يتم بموجبها مزاوجة العمل الميداني مع الجهد الدعائي، لتحصيل نتيجة سياسية تتسق والتوجهات الراهنة.

 

وقبل تفكيك الجوانب النفسية للعملية، يجب أولاً التطرق إلى المبدأ العام الحاكم، أو النموذج النظري، الذي يفترض به ضبط الممارسة الدعائية لدى المقاومة الفلسطينية. فخلال الفترة الأخيرة، ظهرت إرهاصات تشي بانتهاج المقاومة لمبدأ عمليات التأثير Influence Operations، وهو شكل متطور عن العمليات المعلوماتية (IO)، التي تضم بين جنباتها أصولا لتنفيذ عمليات نفسية عسكرية (Military PsyOp).

 

والملفت تحديداً في العملية، بعد اعتبار سياقها الميداني والسياسي، هو التخطيط النفسي المسبق، وتوقع آثارها ومردودها على جمهوري المقاومة والعدو على السواء. هذا الإجراء المتعمد يجعلنا بصدد شكل تنفيذ معاصر، يتجسد في "عمليات قائمة على التأثير EBO"، التي هي عبارة عن عمليات عسكرية محددة ومركزة، يتم تخطيطها وتنفيذها لأغراض التأثير النفسي، أكثر من تركيزها على جوانب التدمير المادي. ويتشابه هذا الشكل مع دعاية الفعل (Pro-Deed)- وهما برأيي شكل واحد غير منفصلين.

 

ولتوضيح الصورة أكثر، تعتمد عمليات EBO على اختراق الجوانب النفسية للخصم باستخدام القوة، وذلك للتأثير في منظومة إدراكه وتفسيره لطبيعة وتطورات الحدث، وبالتالي دفعه لتبني سلوك مرغوب، سيما على صعيد تقدير الموقف.

 

وبالعودة إلى عملية "الباص"، سنلاحظ تنفيذاً موضعياً، يقتصر -في الظاهر- على تحقيق خسارة مادية محسوبة، لكنه -في الباطن- يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. فالهدف الواضح تمثل في إشباع رغبة الانتقام، وتحفيز حالة من الردع. وفي هذا السياق، لا تستطيع المقاومة تجاهل تداعيات العملية الأمنية في مدينة خانيونس، وحالة الغضب الجماهيري الذي رافقها، لذلك توجهت نحو احتوائها، ومن ثم تحفيز ردع دائم يضمن عدم تكرار مثل هذه العمليات. وهنا نلاحظ، أن طبيعة السلاح المستخدم، ومداه القتالي، ارتقى إلى درجة رسالة دعائية تفيد بامتلاك المقاومة لقدرات عسكرية إضافية، رغم حالة الحصار القائم، والسعي الحثيث نحو منع وعرقلة أية إمدادات عسكرية لها.

 

جميع ما سبق يشير إلى حقيقة واحدة على صعيد الممارسة النفسية، وهي أن المقاومة تجنبت هذه المرة أسلوب التهديد الإعلامي، وتوجهت نحو مقاربة خشنة بغرض تحفيز تداعياتها النفسية، أو بمعنى آخر تنفيذ دعاية فعل.

 

لا يقف التفسير عند الحدود الميدانية للعملية، وتداعياتها العاطفية على الجمهور الفلسطيني، بل يتجه أيضاً نحو الاعتبارات السياسية، وانعكاساتها المنطقية على صانع القرار (الإسرائيلي). فهي جاءت في وقت تتعاظم فيه جهود دولية من أجل التوصل إلى  تهدئة، يتم بموجبها تخفيف أو حتى تفكيك الحصار عن قطاع غزة.

 

كما ترافقت مع حالة صدام بين مكونات الكابينت (الإسرائيلي)، لاسيما بين ليبرمان ونتنياهو. هذان الاعتباران، ينبئان بوجود قدرة عالية لدى المقاومة على قراءة السلوك السياسي الإسرائيلي، وتحديد تناقضاته، وبالتالي الاشتغال عليها واستغلالها. والاستخلاص السابق هو ما يجعل من العملية ذات أبعاد تتسق ومفهوم EBO، لأنها حاولت تعزيز الخلاف (الإسرائيلي)، بشكل يستجيب لمصالحها؛ الأمر الذي تحقق بإعلان ليبرمان استقالته من الحكومة.

 

لقد استشعرت المقاومة مسبقاً، حالة العصيان التي يمثلها ليبرمان، وتوجهت نحو المساهمة الفعلية غير المباشرة في عملية الإطاحة به، بعد أن حللت لتوجهات نتنياهو باتجاه إبرام تهدئة. وفي هذا دلالة صريحة أن المقاومة قد تكون بالفعل دخلت على خط التوازنات السياسية والحزبية (الإسرائيلية)، وباتت إلى حد ما قادرة على التأثير فيها.

 

وهنا يسجل للمقاومة أنها استطاعت-عبر هذه الواقعة- التحرر في نهج التحكم اللاإرادي، لتعيد توظيفه بما يستجيب للمبدأ EBO التنفيذي.

 

وأخيراً، عملية "الباص" لم تقصر أهدافها على إشباع رغبات الجمهور، ولم تتجه نحو الفعل الميداني الفارغ غير المتصل بالأهداف السياسية، بل شكلت سابقة، تفيد بتطور العمل النفسي داخل المؤسسة العسكرية، ومدى الرغبة في استغلال القوة الخشنة من أجل تحقيق تأثيرات ناعمة مخططة مسبقاً. كما كشفت عن حرص متعاظم نحو تنويع وسائل التأثير، وعدم قصر ممارستها على الأجهزة الإعلامية، بل توسيعها لتشمل جميع الاسلحة المقاتلة. وهنا يمكن القول بأريحية، أن المقاومة قد ولجت فعلاً عصر الــEBO.

التعليقات : 0

إضافة تعليق