مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية
عكس قرار حماس إطلاق صلية كثيفة من الصواريخ على إسرائيل (في التصعيد (11-12 تشرين الثاني) تقدير حماس بأن المطلوب هو ضربة قوية ومؤلمة لإسرائيل، ولكنها في ذات الوقت محدودة من حيث مدى الصواريخ، بحيث تسمح بالعودة إلى تفاهمات التهدئة. أما الرد الإسرائيلي بدوره فكان قاسيًا، ولكنه محسوب مع ذلك.
منذ عدة أشهر يحاول المصريون، إلى جانب مبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ميلادينوف، العمل على تسوية في قطاع غزة، من خلال الربط بين ثلاث جهات: إسرائيل وحماس والسلطة الفلسطينية، فالتسوية بين حماس وإسرائيل ستمس بمكانة السلطة كممثل وحيد للفلسطينيين، وستخلّد حكم حماس في قطاع غزة، ومن جهة أخرى فإن مصالحة فلسطينية داخلية بين حماس والسلطة ستمس بقدرة إسرائيل على الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية.
منذ بدء مسيرات العودة في الـ 30 من مارس، حاولت حماس الوصول إلى تسوية غايتها "الهدوء مقابل رفع الحصار"، أما إسرائيل فوضعت معادلة واضحة تتمثل بـ "الهدوء مقابل الهدوء"، واشترطت التقدم لإعادة جثماني الجندييْن والمفقودين لدى حماس، ولم تكن مستعدة لمنح حماس إنجازات تعزز قوتها في الساحة الداخلية وتمنحها شرعية "للعنف" الذي مارسته على حدودها. وبالتوازي، رفضت السلطة الفلسطينية المساعدة في تقدم التسوية التي تعزز حكم حماس في القطاع، واشترطت نقل كل الصلاحيات المدنية والأمنية.
التفاهمات التي تسعى إليها مصر تتشكل من ثلاث مراحل أساسية: وقف نار طويل مقابل تسهيلات في الحصار، إعمار القطاع، وعودة حكم السلطة بشكل تدريجي إلى القطاع.
حماس حسّنت في السنة الأخيرة وضعها الاستراتيجي حيال إسرائيل، السلطة الفلسطينية والأسرة الدولية، وذلك بفضل السياسة التي يتصدرها يحيى السنوار منذ انتخابه لمنصب رئيس القيادة السياسية في القطاع، فقد عرض السنوار خطة سياسية، وغير حاليًا طبيعة الكفاح من التشديد على الجانب الوطني/ الديني إلى التركيز على المستوى المدني/ الإنساني.
السلطة الفلسطينية تجد نفسها في ورطة، وتقف في هذه المرحلة وحدها في المعركة التي تخوضها لإسقاط حكم حماس، ويسعى رئيسها محمود عباس لاستغلال ضائقة حماس كي يجبرها للتوقيع على اتفاق مصالحة ينقل إليها السيطرة المدنية والأمنية والسلاح.
ورغم أن لإسرائيل ومصر مصلحة أساسية مشتركة بإسقاط حكم حماس في غزة وإعادة حكم السلطة إلى القطاع؛ فقد قررتا تكريس الهدوء على المدى القصير، وهما غير مستعدتيْن لاحتمال المخاطر التي ينطوي عليها التصعيد والتدهور إلى مواجهة عنيفة نتيجة استمرار الضغط على حماس. يتبين أنه وعلى خلاف الماضي، فإن مصر لا ترى اليوم في المصالحة الفلسطينية شرطًا ضروريًا لتحسين الوضع في قطاع غزة، وهي مستعدة لأن تتوصل إلى تفاهمات مع حماس حتى دون تدخل السلطة. ومع ذلك، تفهم مصر بأنه في مرحلة تنفيذ المشاريع المدنية في القطاع ستضطر إلى السلطة، ولهذا فهي تعكف بالتوازي على تحقيق المصالحة الفلسطينية الداخلية. أما إسرائيل، فباستعدادها الوصول إلى تفاهمات مع حماس، في ظل تجاوز السلطة؛ تدلل عمليًا على أنها لا ترى في السلطة شريكًا في أية تسوية، كما يدلل هذا الاستعداد على أن إسرائيل تسعى إلى الهدوء في ساحة غزة بكل ثمن تقريبًا، بدعوى أن غزة هي ساحة ثانوية ويجب تركيز القوى والجهود على الساحة الشمالية (سوريا ولبنان) بصفتها ساحة أساسية.
خلاصة القول: قطاع غزة هو إقليم يعيش أزمة إنسانية وتحكمه منظمة معادية لإسرائيل، وبغياب حل لهذا الواقع؛ فإن السياسة المطبقة عمليًا هي منع التعاظم العسكري لحماس وممارسة الضغط من أجل خلق ردع يمنعها من استخدام القوة، إلى جانب تحديدها كعنوان مسؤول عمّا يجري في القطاع، في ظل الاعتراف بحكم الأمر الواقع.
تتمسك إسرائيل بسياسة الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، تلك السياسة الرامية إلى تقليص التأثير السلبي للقطاع على الضفة، انطلاقًا من التقدير بأن ليس في قدرة السلطة الفلسطينية استئناف تواجدها وحكمها في القطاع.
تعلن إسرائيل على الملأ بأنه لا مصلحة لها في حرب في غزة، وبأنها معنية بتهدئة طويلة المدى، فقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أثناء زيارته إلى باريس، بأنه لا يخاف الحرب، ولكن يريد منعها حين لا تكون ضرورية، وقدر بأن حربًا أخرى ستعيد إسرائيل إلى الوضع إياه الذي كانت فيه بعد "الجرف الصامد"، بالمقابل، يدّعي مسؤولون كبار في الساحة السياسية والكثيرون في الجمهور الإسرائيلي بأنه يجب الخروج لعملية عسكرية واسعة مع حماس وتعزيز الردع الإسرائيلي.
عمليًا، توجد إسرائيل وحماس في شرك مشابه؛ من جهة هما غير معنيتيْن بجولة قتالية تجبي منهما أثماناً وتعيدهما إلى نقطة البدء، ومن جهة أخرى لا تريدان السماح للطرف الآخر بتحقيق إنجازات، والظهور بمظهر من يتفاوض مع العدو.
على إسرائيل أن تعطي الأولوية لمصالحها بعيدة المدى على حساب المصالح قصيرة الأمد في الساحة الفلسطينية، الأفضل لإسرائيل أن يتم إعمار القطاع عن طريق السلطة، لكي تقطف هي وليست حماس ثمار الإعمار في نظر الجمهور الفلسطيني؛ لذلك عليها أن تبلور غاية مشتركة مع السلطة ومصر وجهات الاختصاص على الساحة الدولية، والغاية المشتركة هي تخفيف الضائقة الإنسانية في القطاع وتطوير البنى التحتية بشرط إعادة حكم السلطة إلى القطاع، وسيكون العمل المشترك رافعة ضغط كبيرة على حماس، وسيقيّد قدرتها على المناورة.
المجتمع الدولي ما يزال يبدي استعداده للمساعدة في مشاريع قطاع غزة، ولإسرائيل مصلحة بمشاركتها، بل ومقاسمتها، وذلك لأن مشاركة جهات دولية في القطاع ستشكل عامل لجم لحماس، وستعظم ثمن خسارتها إذا ما اختارت العودة إلى المقاومة "العنيفة". على إسرائيل أن تساعد مصر في مساعي المصالحة الفلسطينية الداخلية، وذلك بهدف تعزيز سيطرة السلطة بزمام الأمور في غزة كجهة مسؤولة، واعتبارها عنوانًا للدفع باتجاه تسوية سياسة.
(عن مركز دراسات الأمن القومي - بقلم: كيم لافي وأودي ديكل)


التعليقات : 0