"درع الشمال" وترميم مكانة الجيش ونتنياهو وأيزنكوت

اسرائيليات

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

أعنت إسرائيل صبيحة الثلاثاء عن بدء جيشها بتنفيذ ما أطلقت عليه اسم "عملية درع الشمال" للكشف عن أنفاق حزب الله وتدميرها، على الحدود الشمالية لفلسطين، وحمل الإعلان الكثير من الاستعراض والمبالغة في الأهداف والتحديات والمخاطر، والكثير من الأهمية والأولوية لحماية أمن دولة الاحتلال ومواطنيها، وقد لوحظ الحرص الكبير في بيانات وتصريحات القادة والمسؤولين أن العملية بمجملها تتم داخل الأراضي الفلسطينية وهي ذات طبيعة دفاعية، وأن الأنفاق لم تصل إلى مرحلة تشكيل خطر على أمن المستوطنين، وحرصوا أيضًا على المبالغة في إظهار الجهد الاستخباري والتكنولوجي الذي تعتمد عليه عملية "درع الشمال"، وأن "درع الشمال" تعتبر البداية في القضاء على أدوات التهديد النوعي التي يمتلكها حزب الله، وأن "درع الشمال" حظيت بدعم وموافقة بالإجماع من قبل المؤسستين الأمنية والسياسية، وتم تفضيلها كخيار وقرار ذي أولوية على التصعيد في الجبهة الجنوبية.

 

في الساعات الأولى، لوحظ تفاعل إسرائيلي من النوع المهتم والمؤيد والمتقبل للرسائل السياسية والأمنية التي حملتها العملية، فالإعلام قام بعملية بث مفتوح، والكل تقريبًا تجنّد للحديث عن تهديدات الحزب، وبعضهم أثنى على حكمة نتنياهو وايزنكوت، لكن هذا الأمر سرعان ما بدأ بالتحول؛ فظهرت الانتقادات والتلميحات حول التوقيت، وعلاقة نتنياهو والتضخيم الإعلامي، والتساؤل لماذا البحث عن الأنفاق بحاجة إلى كل هذا الاستعراض، فضلًا عن إطلاق اسم ذي دلالات عسكرية كبرى؟ ولماذا نتنياهو يصر على الظهور في مؤتمر صحفي وقت ذروة المشاهدة في التلفاز ليتحدث عن "درع الشمال"، مثيرًا المخاوف ومستعرضًا حجم ونوعية المهمات التي يصادق عليها يوميًا لإحباط التحديات والمخاطر الأمنية؟

 

وبعد أن هدأ الضجيج الإعلامي، يتضح أن "درع الشمال" ليست أكثر من حملة لسلاح الهندسة للكشف عن الأنفاق، بعد أن أصبح لدى الجيش تأكيدات بوجود أنفاق في بعض المناطق الحدودية، ويتضح أن هذه الحملة كان يمكن القيام بها سابقًا ولاحقًا، أي ان توقيتها في هذه الأيام لم يكن احتياجًا حيويًا أمنيًا إسرائيليًا، وأن اختيار التوقيت ربما يحمل دلالات أخرى، كما ان الاستعراض الإعلامي والترويج الكبير للعملية والاستعدادات العسكرية الكبرى، بما في ذلك الإعلان عن نشر البطاريات والمدفعية واستدعاء بعض قوات الاحتياط؛ يحمل رسائل داخلية وخارجية، ويحمل أيضًا الكثير من المخاوف من ردة فعل حزب الله.

 

"درع الشمال" بهذا الاستعراض، وفي هذا التوقيت، استهدفت تحقيق ثلاثة أهداف بعملية واحدة، وعبّرت في لحظة نادرة واستثنائية عن التقاء المصالح الشخصية لكلّ من نتنياهو وايزنكوت والمصالح الأمنية لدولة الاحتلال، ويبدو أن هدفها الأولي هو ترميم ما تآكل من شخصية نتنياهو وإعادة الاعتبار لايزنكوت، ويبدو أنهما نجحا في ذلك بشكل لا بأس به.

 

أثناء جولة التصعيد الأخيرة على قطاع غزة، والتي قامت فيها المقاومة بتصعيد كبير شمل قصف الباص العسكري بصاروخ الكورنيت وقصف مدينة عسقلان والمستوطنات المحيطة بالقطاع بقوة صاروخية كبيرة، عقد الكابينت الأمني اجتماعًا طويلًا، وقد توقع معظم المراقبين الإسرائيليين أن يخرج بقرارات تصعيدية، لكن الجميع فوجئ أن الكابينت تمسك بمسار التهدئة واحتواء التصعيد، وعلى إثر ذلك استقال ليبرمان وخرجت التظاهرات الكبيرة الاحتجاجية، والتي وصلت تل أبيب، وكادت الحكومة تسقط بعد أن أعلن بينيت عن توجهه للاستقالة التي تراجع عنها بفعل الكثير من الضغوط؛ تلك الفترة كانت الأسوأ في حياة نتنياهو السياسية، وكانت مرحلة عصيبة جدًا على الجنرال ورئيس الأركان ايزنكوت، وهو في الشهر الأخير من ولايته، حيث نظر إليه باعتباره رئيس الأركان الذي في ظل ولايته تآكل الردع الإسرائيلي بشكل خطير وتعاظم ردع المقاومة بشكل كبير.

 

احتواء التصعيد على القطاع قرار دفع ثمنه نتنياهو وايزنكوت والجيش، ولكل أسبابه ومبرراته، فالجيش وايزنكوت لا يريدون الدخول في حرب مكلفة وعبثية بتقديرهم، في ظل مستوى سياسي لا يملك أية خطة سياسية تجاه القطاع ويتهرب من تقديم إجابات شافية حول اليوم التالي، وإدراك الجيش بأنه تحت قيادة غير بريئة من شبهة استخدام الأمن في سياق السياسات الداخلية وقدرتهم على التملص في اللحظة المناسبة وتحميل المسؤولية للجيش؛ لذلك كانت مصلحة الجيش بتأجيل المواجهة قدر الإمكان. ومن ناحية نتنياهو، فهو كسياسي لديه مشروع إجهاض قيام الدولة الفلسطينية وضرب وحدانية التمثيل الفلسطيني، وأساس هذا المشروع مبني على فصل القطاع عن الضفة، ومسار التهدئة هو الخيار الأكثر تناسبًا سياسيًا مع مشروعه، وهنا التقت مصالح نتنياهو مع مصالح الجيش وايزنكوت في تأجيل المواجهة مع القطاع، وهو ما تعارض مع مصالح ليبرمان وبينيت.

 

بيد أن تأجيل المواجهة خلق في إسرائيل شعورًا بأن قيادته الأمنية والسياسية عاجزة ومردوعة، وهذا ما توقعه مسبقًا كل من نتنياهو وايزنكوت والجيش؛ أنه لا يمكن احتواء الجنوب دون أن يكون لديهم مشروع آخر يبرر مستقبلًا سبب الاحتواء، فيرمم ما تآكل، بل ويظهرهم كأصحاب حكمة ومسؤولية كبرى وقدرة على تحمل الانتقادات والهجوم وإساءة فهمهم في سبيل تحقيق مصالح إسرائيل، وهو ما عبر عنه نتنياهو في اليوم التالي لاجتماع الكابينت، حيث قال: "لو استطعت أن أشرح لكم الأسباب الحقيقية، لغيرتم موقفكم".

 

في ذلك الاجتماع، استعرض ايزنكوت خطر الأنفاق الشمالية، واعتبرها ذات أولوية أولى تسبق أولوية الجبهة الجنوبية، وقد صادق الكابينت على عملية "درع الشمال".

 

واليوم، يظهر بوضوح كيف ساهمت هذه العملية في إعادة ترميم سمعة الجيش والمنظومة الأمنية، وترميم شخصية نتنياهو وايزنكوت الذي سيغادر منصبه نهاية الشهر الجاري، وهو أفضل مكانة ممّا كان عليه قبل أسابيع، ونتنياهو يظهر اليوم - ولا سيما بعد تصدّع مكانته الأمنية والسياسية والأخلاقية (احتواء التصعيد في الجنوب، واستقالة ليبرمان، وتوصيات الشرطة) - كرئيس وزراء ووزير أمن حكيم ومسؤول، قادر على إدارة الدولة وحماية أمنها وأمن مواطنيها بقدرة وكفاءة عالية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق