أيقونة الصمود

أم ناصر أبو حميد: "هديتوا بيتي بس ما بتهدوا حيلي"

 أم ناصر أبو حميد:
فلسطينيات

غزة/ دعاء الحطاب

بقوة وصلابة حديدية، خرجت «أم ناصر» من منزلها برفقة عشرات المتضامنين قسراً، بعد حصاره بمئات الجنود الإسرائيليين، لتقف على مقربة منه وعيونها تراقب حركة الجنود وهم يقومون بتفخيخه بالقنابل المتفجرة، ولسانها يصدح « الله يجعله ينهد عليكم، بتهدوا بيتي بس ما بتهدوا حيلي، الحيل القوي ما بنهد». وباللحظة التي تناثرت بها حجارة المنزل عقب التفجير، كانت أم ناصر أبو حميد (72 عاماً)،  توثق المشهد عبر هاتفها المحمول،

 

دون أن تبكيه، متحدية حكومة نتنياهو، وجنوده، وآلياته وجرافاته وسياسات الهدم كلها، فهي تعرف نفسها وأبناءها وتعرف أن الرأس المرفوع لا يهمه بيت مهدوم، لتُسجل موقفاً مشرفاً استحقت عليه لقب "خنساء فلسطين".

 

 وقالت  المناضلة أم ناصر بعد هدم الاحتلال لمنزلها " مهما هدمتم سنبني ولن نخاف! بتهدّوا بيتي بس ما بتهدّوا حيلي، الحيل قوي ما بينهد» هذه العبارة جالت المنصات الإفتراضية، مقرونة بصورة المرأة الصامدة،"أيقونة الصمود". 

 

وفي ساعة مبكرة من فجر السبت الماضي، أقدمت آليات الاحتلال معززة بمئات الجنود وقوات الهندسة والمتفجرات، على تفجير منزل عائلة "أبو حميد" المكون من أربعة طوابق، بعد إخلائه من عشرات المتضامنين المعتصمين بداخله في محاولة للدفاع عنه.

 

وللمرة الثالثة يهدم الاحتلال منزل" أم ناصر"، فالمرة الاولى كانت عام 1994 والثانية 2002، إلا أنها وفي كل مرة قوية صامدة ومتحدية، لا تقبل بالانحناء، قائلة" لن يكسروا إرادتنا وصمودنا،  سنعيد بناءه من جديد، فبيوتنا فداءً لفلسطين".

 

أيقونة الصمود

 

وتحت لفحات البرد القارس ورذاذ الغاز المسيل للدموع، جلست " خنساء فلسطين" بشموخٍ وعزة على شرفة منزل مجاور لمنزلها المدمر مرتدية الكوفية الفلسطينية، مُعلنه رفضها العيش بمكان آخر، حتى وإن اضطرت لإقامة خيمة على ركامه والعيش بداخلها.

 

بثبات كالجبل لا تهزه الريح مهما كانت عاتية، تقول أم نصر:"لا أشعر بالحزن على بيتي المدمر، لأن همي الوحيد أن أولادي بخير حتى لو كانوا في سجون الاحتلال"، مُضيفةً:" أنا امرأة جربت كل صنوف العذاب ولن يُثنيني هدم بيتي، سنبني غيرة".

 

وأردفت بفخر:" قدمت أبنائي السبعة بين شهيدٍ ومُعتقل، وبيتي هُدم مرتين وهذه الثالثة، ولم أنكسر ولن أستسلم مهما زادت جرائم الاحتلال، ومنزلي فداء لفلسطين وشعبها".

 

وتتابع بتحدٍ كبير:" لن أقبل العيش في مكان آخر، وسأنصب خيمة على ركام منزلي المدمر وأعيش بداخلها، فهذا المكان له ذكريات كثيرة لن أنساها".

 

وتؤكد أن سياسات الاحتلال الانتقامية بهدم البيوت لا تجدي نفعًا للاحتلال في الواقع، وتكرار هدمها عدة مرات يثبتُ بشكل قاطع أن الترهيب والهدم ليسا في وارد الحسابات لشعب تربي على المقاومة والتحدي.

 

وخاطبت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قائلة "مهما فعلت وهدمت لن تخيفنا، وسنبني منازلنا من جديد في كل مرة تقوم بتدميرها، فنحن لن نمل ولن نسأم من إعادة بنائها".

 

وتساءلت "خنساء فلسطين" التي خرجت من منزلها بحقيبة يدوية فقط "من هو الإرهابي القاتل: الذي هجر شعبا وطارده كل يوم؟ أم سيدة تسكن في منزل بمخيم للاجئين؟".

 

مرارة العذاب

 

ورغم أنها أمٌ لسبعة أبناء، إلا أنها كانت تعيش وحيدةً في منزلها الذي حرمها إياه احتلال حاقد تجرد من كافة أشكال الإنسانية والرحمة، فقد سلبها فلذات كبدها جميعاً، "عبد المنعم" قاوم الاحتلال ثم ارتقى شهيداً، والستة الآخرون لا يزالوا خلف قضبان السجون، ليبقي حُلمها الوحيد العيش الآمن معهم تحت سقفٍ واحد، أو على الأقل تكحيل عينيها برؤيتهم.

 

24عاماً ويزيد، قضتهم " أم ناصر" في التنقل بين سجون الاحتلال من أجل زيارة أبنائها المعتقلين، شاخت فيها إنسانية العالم الذي لم يُلق بالاً لآلامها، فقد ذاقت ويلات العذاب التي لا يُمكن وصفها، وتتوجت مُعاناتها بمنعها من زيارتهم بعدما أبلغتها إدارة السجون أنها أصبحت ممنوعة من الزيارات لأسباب أمنية، وفق ما زعم الاحتلال.

 

ويذكر أن ابنها الأكبر ناصر محكوم عليه بـ(7 مؤبدات و50 عاماً)، ونصر محكوم بـ(5 مؤبدات)، وشريف محكوم بـ(4 مؤبدات)، ومحمد محكوم بـ(مؤبدين و30 عاماً)، أما جهاد فمحكوم عليه إداريًّا بسجن عسقلان، وآخرهم إسلام الذي اعتقل مؤخراً بتهمة قتل أحد جنود الاحتلال خلال اقتحام نفذ لمخيم الامعري و قد يواجه حكماً بالسجن المؤبد.

 

بنبرة حزن وألم، تقول أم ناصر:" كل يوم من 24 سنة كان يمر وفي تفاصيله لون جديد من ألوان العذاب، عن أي عذاب أحكي عن المنع الأمني لأكثر من 5 سنوات أم عن التفتيش والانتهاكات الكثيرة بحقنا اثناء الزيارة؟ أم عن زيارة 4 أبناء بـ45 دقيقة فقط بعد معاناة طويلة؟" مستدركة " معاناتنا كبيرة جداً لا يمكن وصفها أو كتابتها بسطور فألمها ينزف بقلوبنا".     

 

وتأمل أم ناصر كغيرها من أمهات الأسرى في سجون الاحتلال أن يكون أبناؤها على قائمة أي صفقة تبادل للأسرى، قد تكون قريبة بين المقاومة في غزة وحكومة الاحتلال خصوصًا أن مشيئة الله لم تقضِ لأبنائها الخروج في صفقة وفاء الأحرار عام 2011.

 

وأشارت إلى أنها مثل بقية الأمهات تحلم بالعيش بأمان وسلام مع أبنائها وهم أحرار.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق