غزة/ دعاء الحطاب
مُتجاهلاً بطء حركته، وألم روحه المنكسرة، يتنقل بين الخيام المنصوبة على أرض ميدان العودة شرق خانيونس جنوب قطاع غزة، بقلب فطر على حب الوطن يبحث عن حياةٍ كريمة بين سطور الحكاية التي خطت كلماتها بالدم.
كان يعلم الشاب كرم فياض (26عاما)، أن ثمة جنودٌ حاقدين مزودين بقانصات حديثة، ويختفون خلف تلال رملية يتربصون لكافة المتظاهرين قرب السياج الفاصل، لكن فطرته وبساطة فكرة لم يخيل له أن رصاصات البنادق يمكن أن تصيب مريضاً بـ "متلازمة داون" وإن كان بعيداً جداً عن مناطق المواجهة.
وبالقرب من أحدى خيام المعتصمين، وقف" كرم" مطمئناً يُراقب ما يجري قرب خط التحديد، غير مبالٍ لأصوات الرصاص والقنابل الغازية التي تخترق جموع المُتظاهرين السلميين من حولة، وفي ذات اللحظة كانت أصابع جنديٌ اسرائيلي تضيق بهدوء على زناد القناص، وهو يُعدل هدفه نحو "كرم" الذي رآه بمنظاره يتبسم وملامحة تشي بحالته، فباغته برصاصة غادرة اخترقت رأسه ووضعت حداً لحياته.
وارتقي "فياض" شهيداً الجمعة الماضية متأثراً بجراحة إثر إصابته برصاص الاحتلال الإسرائيلي في رأسه، شرق مدينة خانيونس، خلال مشاركته في فعاليات جمعة "لن نساوم على حقنا في العيش بكرامة" ضمن مسيرات العودة وكسر الحصار.
صاعقة الاستشهاد
بعد تناول وجبة الغداء، جلس كرم بجوار أمه وأخذ يُقبل يديها ورأسها وقدميها، فوضعت يديها على رأسه قائلة:" حتى رجلي يما"، فرد مُتعثلماً بحروفه:" أه ، ماش بقولوا الجنة تحت أقدام الأمهات، وانا بدي الجنة يما"، فانقبض قلبها قليلاً لعلها شعرت بأنها طقوس الوداع، فهي لأول مرة تسمع تلك الكلمات من نجلها البريء.
وحين هم" كرم" بالخروج الى مسيرات العودة، نادته قائلة:" يما بلاش تروح اليوم، الجو بارد والوضع مش منيح"، فأجابها مُبتسماً:" يما ما تخافي عليا ما بمرض، أنا أكلت من أكلك وهو بدفيني"، ثم أكمل طريقه.
اعتادت الوالدة على غياب "كرم" لساعات كل جمعة منذ بدأت مسيرات العودة الكبرى 30مارس الماضي، إلا أن هذه المرة كان الغياب مربكاً لها، وأثار قلقها أكثر عندما دقت عقارب الساعة الرابعة مساء ولم يعد، تجمد الدم في عروقها فقد أرهقتها ساعة الانتظار ودار التفكير برأسها كخلية نحل.
وبعد دقائق معدودة، طُرق باب المنزل، فأسرعت الوالدة فرحةً لاستقبال نجلها، لتكون الصاعقة" كرم استشهد"، لكنها لم تقتنع بالخبر وشككت به، فكرم لا يُشكل خطراً على جنود الاحتلال، كما أنه لا يتقدم إلى الصفوف الأمامية بالمسيرات.
بحرقةٍ وألم شديد، تقول والدة الشهيد:" كرم من يوم ما سمع عن مسيرات العودة وهو كل جمعة بطلع بشارك، كنت أحاول امنعه كتير بس ما يسمع مني، كان يقول يما ما بقرب على السلك ما تخافي عليا، وانا مريض ما بطخوني".
بغصةٍ تعترض صوتها، تتابع خلال حديثها لـ"الاستقلال":" الجمعة الماضية تغدا معي، قلي بدي اروح على المسيرة وأرجع على طول، حكتله يما ما تروح اليوم الدنيا ثلج، قال " لا يما أنا أكلت من أكلك بدفيني ما بمرض، وسلم عليا وطلع".
وأضافت بحسرة:" لما طلع كرم حسيت بقلق كبير عليه ما بعرف ليش، كنت انتظر رجوعه بفارغ الصبر، ومع أذان العصر قلت بس يرجع بكون بردان كتير، بعتت اشتريت فحم وخليتهم يولعوه عشان يدفئ، وبعد شوي دق الباب فكرته رجع، طلعت استقبله الا الناس بقولوا كرم تصاب وناس بقولوا لا استشهد".
أردفت والدموع تملأ وجنيتها:" ما صدقت الخبر، صرت أصرخ أقول كرم ما استشهد، انا بحبه كتير ما بدي أنحرم منه، أجريت على المستشفى لاقيته ملفوف بالكفن"، مستدركة:" حرقوا قلبي عليه، الله يحرق قلوب أمهاتهم عليهم".
وأنهت حديثها بغضب: "نحن نقابل جنود الاحتلال بمسيرات سلمية عشان نأخذ حقنا، وهما يقابلون أولادنا بالقتل والرصاص والقانصات، ابني ما قتل حد ولا كان حامل سلاح، انسان ضعيف من ذوي الاحتياجات الخاصة، قتلوه برصاصة قناص، مزقوا رأسه بدم بارد، شو الذنب اللي عمله؟".
الوداع الأخير
حين رأته ممدداً أمامها في حضرة الوداع أخذت تمسح بديدها على وجهه برقة وتهمس بأذنه " قوم يما طلع النهار، قوم عشان تساعدني"، كما اعتادت أن تفعل صبيحة كل يوم كي توقظه من نومه، لكنه هذه المرة لم يستيقظ، فقد رحلت روحة كغيمة عانقت السماء، وبقي الجسد ينتظر أن يحمله رفاقه على أكتافهم ليوارى الثرى، لتبقي هي تغفو على وقع سؤال" ما الخطر الذي شكله كرم ليُقتل بدمٍ بارد؟".
وألقى ذوي الشهيد فياض نظرة الوداع عليه، في أجواء طغت عليها حالة الحزن والغضب على فراقه، ليمضي موكب التشييع إلى مواراة جثمانه الثرى بمقبرة الشهداء في مدينة خانيونس، وسط صيحات الغضب والاستنكار ضد الجرائم البشعة التي يرتكبها الاحتلال بحق أبناء شعبنا، وردد العشرات شعارات طالبوا من خلالها بالثأر.


التعليقات : 0