غزة/ دعاء الحطاب
حذر مختصون في الشأن الاقتصادي من تداعيات وقف الولايات المتحدة الأمريكية كافة المساعدات المُقدمة للفلسطينيين في مناطق السلطة، مؤكدين على أن ذلك سيعمق الازمة الاقتصادية التي يعيشونها منذ سنوات وتفاقمت بالآونة الأخيرة بعد تنفيذ سلسلة قرارات سياسية تقضي بتقليص الدعم المالي سواء المقدم للسلطة أو الى وكالة غوث وتشتغل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
وأجمع المختصون أن وقف المساعدات يأتي في سياق زيادة الضغط والابتزاز للفلسطينيين لإجبارهم على قبول الاملاءات الأمريكية، ويتزامن ذلك في ظل انهيار الاقتصاد الفلسطيني، وتساوق بعض الأنظمة العربية والدولية مع الإدارة الأمريكية لتمرير أجندتها السياسية تجاه القضية الفلسطينية.
وقالت صحيفة "جيروسلم بوست" الإسرائيلية في عنوانها الرئيسي الجمعة الماضية:" إن الإدارة الأمريكية تنوي وقف كافة المساعدات المقدمة للفلسطينيين نهاية الشهر الحالي". ونقلت الصحيفة عن ديف هاردن الرئيس السابق للبعثة الأمريكية إلى المنطقة قوله: إن الوكالة الأمريكية للتطوير الدولي (USAID) تنوي وقف تمويل كافة المشاريع في مناطق السلطة الفلسطينية.
وأضافت: أن وقف المساعدات يأتي في أعقاب تمرير قانون "مكافحة الإرهاب" الذي تمت المصادقة عليه في (الكونغرس) بشهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
ويشترط هذا القانون تقديم المساعدات الأمريكية الى السلطة الفلسطينية بوقف صرف المعاشات لعائلات منفذي العمليات الفلسطينية التي تستهدف إسرائيليين.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت في 25 أغسطس / آب إن الولايات المتحدة خفضت أكثر من 200 مليون دولار من المساعدات للفلسطينيين، كما خفضت قيمة المساعدات المقدمة لـ"اونروا" وتعتبر أمريكا، الداعم المالي الأكبر للسلطة الفلسطينية، بإجمالي مساعدات بلغت قيمتها 215 مليون دولار سنويا، مخصصة لدعم المشاريع الاقتصادية وتطوير البنية التحتية.
ابتزاز سياسي
قال الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" فوزي برهوم أمس السبت، إنّ قطع الولايات المتحدة الامريكية المساعدات عن شعبنا الفلسطيني ابتزاز سياسي يعكس سلوك وتوجهات البيت الأبيض غير الأخلاقية اتجاه القضية الفلسطينية.
وأضاف برهوم في تصريح له، " أنَّ قطع الولايات المتحدة المساعدات عن الشعب الفلسطيني يأتي في سياق المخطط الأمريكي "الإسرائيلي" التصفوي للقضية الفلسطينية وتنفيذ بنود صفقة القرن المزعومة".
فيما عقب صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أمس السبت، على هذا الموضوع في حديث إذاعي قائلا إن "كل المساعدات الأمريكية قُطعت عن فلسطين عام 2018"، موضحا أنها كانت تبلغ 844 مليون دولار. وبين عريقات أن الولايات المتحدة قطعت عام 2018، 359 مليون دولار عن الأونروا ، لإسقاطها وتدميرها، تمهيدا لإسقاط قضية اللاجئين عن طاولة المفاوضات، و231 مليون دولار كانت تقدم عبر الوكالة الامريكية USAID، و90 مليون دولار عن مستشفيات القدس وغيرها.
تداعيات خطيرة
أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة الأزهر د. سمير أبو مدللة أكد أن وقف الإدارة الأمريكية كافة مساعداتها المُقدمة للفلسطينيين في مناطق السلطة، سيؤثر سلباً على المواطنين وسيُفاقم الأوضاع الاقتصادية سوءاً، مبيناً أن وقفها يأتي في اطار زيادة الضغط على السلطة والشعب الفلسطيني لتقديم تنازلات سياسية وتمرير صفقة القرن.
وقال أبو مدللة لـ"الاستقلال:" إن الولايات المتحدة الامريكية منذ العام الماضي تحدثت عن تخفيض 200مليون دولار كانت مُخصصة لمشاريع تُنفذها وكالة التنمية الامريكية (USAID) على الأراضي الفلسطينية، وبالتالي انعكس سلباً على الكثير من المشاريع خلال الفترة الماضية وأدت لقطع الدعم المُقدم لمستشفيات القدس البالغ 20مليون دولار".
وأضاف:" أن الإدارة الامريكية تسعي لإيقاف كافة مُساعداتها المقدمة للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، وبالتالي إيقاف عمل وكالة التنمية الامريكية (USAID) بالكامل، بهدف زيادة الضغط على السلطة الفلسطينية واجبارها على تقديم تنازلات سياسية رامية لتنفيذ صفقة القرن"، مشيراً إلى أن الإدارة الامريكية قطعت 300مليون دولار من المُساعدات المُقدمة للأونروا لتحقيق الهدف ذاته.
وحذر أبو مدللة من التداعيات الخطيرة المُترتبة على وقف مساعدات الولايات المتحدة الامريكية المُقدمة للفلسطينيين، المُتمثلة بمنع تنفيذ العديد من المشاريع على الأراضي الفلسطينية، خاصةً مشاريع البنية التحتية والاغاثية، إضافةً لإغلاق مقرات مؤسسات التنمية الامريكية (USAID) وبالتالي تسريح عشرات العاملين الفلسطينيين من وظائفهم، الأمر الذي سيرفع مُعدلات البطالة والفقر.
وأوضح أن إيقاف المُساعدات سيُدخل موازنة السلطة الفلسطينية بحالة عجز كبير، الأمر الذي سيضطرها لاتخاذ خطوات تقشفية وإجراءات جديدة لتخفيف عجزها، في ظل حديث رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله أن العجز المتوقع في ميزانية السلطة هذا العام يصل الى 700مليون دولار.
وبين أن النصيب الأكبر من الإجراءات التي ستتخذها السلطة سيكون لقطاعي الصحة والتعليم و موظفي السلطة، مما يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية سوءاً، خاصة في قطاع غزة المُحاصر وفي ظل تقاضي موظفي السلطة 50% من رواتبهم.
ضربة قاسية
وبدوره يرى المُختص بالشؤون الاقتصادية د. علاء الرفاتي أن وقف الولايات الامريكية تمويل كافة المشاريع في مناطق السلطة الفلسطينية ضربةً اقتصادية قاسية للاقتصاد الفلسطيني وطعنةً قاتله للفقراء والموطنين في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المأساوية التي يعيشونها منذ فترةٍ طويلة.
وقال الرفاتي لـ"الاستقلال":" إن الولايات المتحدة الامريكية تقوم بإرسال الأموال للسلطة الفلسطينية منذ نشأتها بهدف ابتزاز القرار السياسي الفلسطيني، وعندما قامت السلطة بمعارضة سياساتها الامريكية وصفقة القرن في الآونة الأخيرة، لجأت لوقف كافة مُساعداتها ودعمها المالي لضغط عليها".
وأوضح، أن وقف التمويل الأمريكي لكافة المشاريع في قطاع غزة والضفة الغربية يضرب الاقتصاد الفلسطيني بالعمق، وسيُشدد خناق الازمة المالية على السلطة في ظل قلة دعم المانحين وتراجع الأموال المرصودة كمنح لها خلال الفترة الأخيرة، لافتاً إلى أن الاقتصاد الفلسطيني وقع ضحية المساعدات لأنه لم يدرك أنها مسيسة إلا بعد فوات الأوان.
وتوقع أن تلجأ السلطة الفلسطينية لرفع الضرائب على السلع والمُنتجات، وتقليص خدماتها المُقدمة للمواطنين، إضافةٍ لاتخاذ بعض القرارات والإجراءات بحق الموظفين، في مُحاولةً لتخطي العقبة الأمريكية الى حدٍ ما، وهو أمر صعب سيزيد من مُعاناة المُواطنين وسيُفاقم أوضاعهم المعيشية والاقتصادية سوءاً.
وكانت الإدارة الامريكية قد سنت قانوناً عنصرياً يقضي بإلغاء كافة المشاريع عن دعم موازنة "الأونروا" ومشاريع USAID بقيمة 600 مليون دولار المقدمة للشعب الفلسطيني، وسط رفض واسع من قبل المجتمع الدولي إزاء هذه القوانين العنصرية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية وتمرير المخططات الأمريكية "الإسرائيلية".


التعليقات : 0