الاستقلال/ مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية:
إطلاق النار الذي تدّعي دولة الاحتلال بأنه استهدف قواتها العاملة بالقرب من السلك الفاصل شرقي القطاع، وأسفر عن إلحاق أضرار مادية بمركبة في حادثة الإطلاق الأول وأصاب ضابطًا في الحادثة الثانية، وأدى إلى تصعيد ميداني بقصف بعض المراكز المتقدمه للمقاومة، ممّا أوقع شهيدًا والعديد من الإصابات، وتلاهُ قصف ليلي لبعض المواقع، وقرار بتأجيل إدخال أموال المنحة القطرية دون تحديد موعد محدد، فضلًا عن حالة التوتر المستمرة وعدم وضوح الموقف بما يخص مسار التهدئة والسيولة الأزموية العالية التي تهدد دومًا بالانقلاب على مسار التهدئة والتدهور نحو المزيد من التصعيد؛ كل ذلك يشير إلى عمق الأزمة، هنا مضاعفة تنطوي على بعد سياساتي جوهري وبعد ظرفي، فالبعد الظرفي يتلخص في حساسية المشهد الإسرائيلي في ظل الانتخابات، وكيف يُمكن أن يؤثر كلّ تقدم أو كلّ تصعيد على استطلاعات الرأي الخاصة بالرضا عن أداء نتنياهو وحزبه وحكومته.
ومن الواضح أن نتياهو يحاول قدر الإمكان أن يستفيد من الملف الأمني في خدمة أجندته الانتخابية، فهو صاحب فكرة شيطنة العرب والمسلمين للتهرب من السلام، والتشكيك بنوايا العالم تجاه إسرائيل، للإبقاء على منسوب الخوف والكراهية داخل المجتمع الإسرائيلي، وللإبقاء على فكرة أنه القادر على حمايتهم والقادر على إدارة الصراع والحرب مع إعدائهم الذين يسعون ليل نهار للفتك بهم، فها هو يصعد على جبهة الشمال، وحتى إنه بات يعلن رسميًا مسؤولية إسرائيل عن عمليات القصف العدواني على سوريا، في سياق مخالف لمصالح إسرائيل العليا، كما يقول الكثير ممّن انتقدوا تصريحاته عن القصف.
لكن على جبهة القطاع، فإن الأمر بالنسبة لنتنياهو مختلف، فهو كان يفضل أن يبقي على الهدوء، وأن يخفي ملف القطاع عن المشهد السياسي الانتخابي الإسرائيلي، فالأمر هنا معقد وغير واضح وغير قابل للفهم من قبل الإسرائيليين، والكثير منهم يعتقد بأن فصائل المقاومة تملي إرادتها على نتنياهو الذي يذعن لمطالبهم، ولا يمتلك القدرة على مواجهتهم وردعهم، وهو لا يستطيع أن يشرح علنًا سياساته تجاه القطاع، ويبقيها ما بين السرية والغموض، كما لا يستطيع أن يشرح سياساته تجاه السلطة، فالهدوء في هذه المرحلة على جبهة القطاع يعتبر أهم إنجاز بالنسبة لإسرائيل مع موافقة مبدأية لدفع ثمن ما مقابل الهدوء، ثمن يرسخ الهدوء ويحوّله إلى هدوء ثابت وراسخ وعميق، وبأقل ما يمكن من ثمن، والتفاوض الاشتباكي من جانب المقاومة والتصعيد العدواني من جانب الاحتلال هو على الثمن، وعلى نسبة رفع الحصار، وعلى الانطباع العام لدى الرأي العام.
نتنياهو يسعى إلى الإبقاء على الوضع الراهن (الهدوء) والمطالبة بالمزيد من الهدوء مقابل تحويل الأموال، وتحويل أموال المنحة إلى مدخل لابتزاز الكثير والكثير من الهدوء، وهو ما عبّر عنه العمادي بحجم العنف، صيغة نتنياهو (أعطوا الهدوء لتتلقوا المال)، ثم سيأتي الحديث عن حجم الهدوء ونوعيته، ثم سنتعرف على معايير الهدوء الإسرائيلية؛ هذا سياق مناوراتي يستخدمه نتنياهو الآن في سياق ما يراه مسارًا تفاوضيًا حول الهدوء ورفع الحصار، في محاولة منه للحصول على الحد الأقصى الذي يمكن أن يحصل عليه مقابل الحد الأدنى من التسهيلات، وتحت سقف خطوط حمراء لا يسمح في هذه المرحلة بتجاوزها.
في المقابل، فإن فصائل المقاومة التي وافقت على مسار التهدئة ورفع الحصار، وافقت على أن يشمل المسار مراحل أربع، تبدأ بالتسهيلات وإدخال الأموال وتنتهي برفع الحصار الكلي، وهي بتقديرنا اليوم تقدّر بأن العدو يماطل ويسوّف ويؤجل، حتى في استحقاقات المرحلة الأولى فرض الهدوء كأمر واقع، والحقيقة أن ثمة تخوفاً من أن الوسطاء لم يقوموا بما يلزم القيام به من ضغط وترجمة ضماناتهم إلى رصيد حقيقي، وثمة شعور بأنهم يغيّبون ولا يهتمون إلا عندما يحدث التصعيد؛ لذلك فربما فصائل المقاومة تعتقد بأن القبول بمنح الاحتلال الهدوء في انتظار أن يرضى نتنياهو ويوافق على تحويل الأموال يعتبر إذعانًا ورسالة ضعف، ويعني أنه من الصعب التقدم إلى المراحل الأخرى، لذلك ترى أنها مضطرة للعودة إلى تصعيد منسوب الاشتباك، وربما تعتقد بأن ثمة هامشاً كبيراً من المناورة التصعيدية دون الوصول إلى تصعيد يؤدي إلى اشتعال كبير.
وبغض النظر عمن قام بإطلاق النار (في حال كانت الرواية الإسرائيلية صحيحة عن حادثتيْ إطلاق النار)، وسواء تم الإطلاق بتوافق داخلي أو بانفراد جهة ما؛ فإن النتيجة الكلية أنها أوصلت رسالة لإسرائيل وللوسطاء أن المقاومة لن تقبل بالوضع الراهن، وأنها لا تقبل بسياسة الابتزاز ولا تخشى المواجهة، وهي مصرة ومتمسكة بالمواجهة كسبيل لرفع الحصار، ولن تتفهم أجواء الانتخابات الإسرائيلية وترفض أن يستخدم الحصار والدم الفلسطيني كنوع من الدعاية الانتخابية، وأن نتنياهو ليس له إلا أن يحوّل الأموال صاغرًا.
التصعيد أعاد القطاع إلى واجهة الأحداث - على الأقل لوقتٍ ما - وجعل القطاع يفرض نفسه على المشهد الإسرائيلي في البحث عن سبل الحل، ومن الملاحظ أن أي نقاش إسرائيلي حول القطاع هو في المحصلة العامة لمصلحة إنضاج فكرة القبول بفكرة "لا يمكننا احتلالهم أو التخلص منهم، ولابدّ من سياسة أكثر براغماتية تمنحهم فرصة العيش بكرامة، وتمنحهم شيئًا يخافون فقدانه"، هذا النمط من التفكير بدأ يحظى برواج كبير داخل إسرائيل، لكنه بحاجة إلى وقت كبير لينضج ويتحوّل إلى برنامج يؤخذ به، وهو في النهاية يتقاطع مع سياسة فصل القطاع عن الضفة، وهي سياسة باتت قاطعة للعديد من الأحزاب المهمة في إسرائيل.


التعليقات : 0