قطر والغرق في وحل غزة

قطر والغرق في وحل غزة
اسرائيليات

بقلم: شلومي الدار

ترجمة: مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

في الواقع، نتنياهو لم يكن بحاجة لموافقة الكابينت من أجل التصويت على نقل الدفعة الثالثة من الأموال القطرية لقطاع غزة، فقبل ثلاثة أشهر فقط (أكتوبر 2018) صادق الكابينت على الخطوط العريضة لهذه الدفعات، أي اقتراح قطر تمويل رواتب موظفي الذراع المدنية لحماس، وبدأت فعلًا الأموال بالانتقال، بالحقائب. في حماس احتفلوا، نتنياهو تلقى انتقاداتٍ حادة، وبين دفعة وأخرى تم الإعلان عن انتخابات في إسرائيل، نتنياهو شعر بالذعر، ماذا سيقولون في المعارضة؟ وماذا سيقول أعضاء الائتلاف غير الراضين عن تمويل "تنظيم إرهابي"؟.

 

النتيجة كانت تجميد تنفيذ الدفعة الثالثة، حاول نتنياهو إيجاد طريقة لنقل الأموال بدون أن "يتسخ" لكنه فشل. في الوقت نفسه، اشتد الضغط في قطاع غزة، حماس هددت بأنه لو لم تصل الأموال فإن التظاهرات ستُستأنف وستشتد، الضغط آتى ثماره، نتيناهو أعطى الضوء الأخضر، لكنه عاد وخاف في أعقاب حادثة إطلاق النار على حدود غزة، التي أصيب بها ضابط في الجيش بجروح طفيفة.

 

بالنسبة لنتنياهو، هو لا يستطيع أن يسمح لنفسه بأن يُنظر إليه على أنه "خاضع للإرهاب"، بالطبع ليس في الوقت الذي تقترب فيه الانتخابات. مسؤولو حماس - الذين يشعرون بثقل الضغط عليهم داخل القطاع - صرّحوا بأن الحادثة "مؤسفة" ورفعوا من سقف التهديدات. ردًا على ذلك، عزز الجيش من قواته ونشر منظومة القبة الحديدية. في نهاية المطاف، خضع نتنياهو؛ مساء الأربعاء جمع الكابينت ودحرج الكرة تجاه الوزراء. باستثناء الوزير زئيف ألكين، كلّ أعضاء الكابينت رفعوا أيديهم مؤيدين تحويل الدفعة الثالثة. لا أحد من الوزراء الآخرين (بما فيهم وزير التعليم نفتالي بينت) لم يتفوّه بمصطلح "خضوع للإرهاب"، لكن حينها كانت هناك مفاجأة بانتظارهم.

 

المبعوث القطري محمد العمادي، الذي وصل يوم الخميس لغزة راضيًا وسعيدًا، سمع من نائب رئيس المكتب السياسي لحماس خليل الحية أن حركته ترفض تلقي الأموال. الحيّة قال "لا نريد أن يصنعوا لنا معروفًا، غزة لن تتحول لأداة بيد الانتخابات في إسرائيل". حسب قوله، إسرائيل لم تلتزم باتفاق يُلزمها بالسماح بنقل الأموال في بداية كل شهر، وحماس لا تنوي الاستمرار في هذه اللعبة. العمادي شعر بالإهانة. بعد رحلة مفاوضات مُهلكة بين غزة وإسرائيل، وجد نفسه عالقًا في ألعاب كرامة ومصالح.

 

ما الذي حصل بالفعل هنا؟ يتضح أن قادة حماس أدركوا أن الانتظار في كل شهر لضوء أخضر إسرائيلي لنقل الأموال القطرية يُسبب لهم ضررًا ويمس بقيادتهم. سكان قطاع غزة بدأوا بالنظر للقطريين على أنهم القادة الفعليين في القطاع، وبدأوا بالتركيز على المُخلص "العمادي"، الأمور وصلت إلى حد من السخافة والسخرية لدرجة أنهم في غزة قاموا بتصوير فيديو هزلي على الأموال التي تأخرت في الوصول.

 

غزة أصبحت مرتبطة بالأموال القطرية، وأي تأخير في نقل الأموال يخلق غضبًا؛ ليس فقط تجاه إسرائيل أو حماس، بل أيضًا وبالأخص تجاه "الأشخاص الجيدين" القطريين، الذين لم يلتزموا بوعودهم بجلب الأموال لغزة المحاصرة. في الحقيقة، في التظاهرات التي انطلقت هذا الأسبوع بغزة تم رفع يافطات ضد إسرائيل، لكن سُمعت أيضًا نداءات غضب ضد المبعوث القطري وادعاءات بأنه تحول للعبة في أيدي الصهاينة.

"

القطريون أدركوا الآن أنهم إن لم يفعلوا ذلك فسيتورطون" قال مصدر أمني إسرائيلي. حسب قوله "المبعوث القطري يفكر باليوم الذي يليه، أي بعد انتهاء أشهر المنحة الستة التي خصصتها قطر لغزة، وتضطر غزة لإيجاد حل آخر لتمويلها. "ماذا سيحدث حينذاك؟ من سيتهمون؟ تجاه من سيصبون جام غضبهم؟ تجاه قطر بالتأكيد".

 

الهدف من المنحة القطرية هي أن تكون بمثابة قرص مُهدئ لغزة حتى التوصل لتهدئة طويلة الأمد بين إسرائيل وحماس، قطر وافقت على الخطوة كي تُرضي الأمريكان، وفعلًا مبعوث الشرق الأوسط جيمس غرينبليت اعترف بذلك. قطر - التي ما زالت تعيش تحت عقوبات من جانب أغلب الدول السنية، التي تدّعي بأن أمير قطر يدعم "الإرهاب"؛ لا تستطيع أن تخلع القفازات، سواء بشأن المساعدات لغزة أو تسجيل نقاط لدى ترامب. عصفوران بحجر واحد، لكن بسرعة فائقة تحولت المساعدات لخنجر مدبب الحواف، حماس تُهدد بأنها ستنظم تظاهرات على السياج لو لم تحصل على الأموال القطرية، إسرائيل من جانبها تهدد بأنه لن يتم نقل الأموال دون هدوء في القطاع. كيف ستخرج قطر من هذه الورطة دون تضرر من الالتزامات التي تجلب معها المتاعب فقط؟

 

بعد عدة ساعات من الاعلان أن حماس ترفض تلقي الأموال، عقد العمادي مؤتمرًا صحفيًا في غزة، وأعلن أن التنظيم وافق على نقل أموال المساعدات عبر الأمم المتحدة، هذه الأموال ستخصص بالأساس لأهداف إنسانية، مثل مساعدة الأسر المحتاجة وخلق فرص عمل. لكن كم من الوقت يحتاج لخلق فرص عمل؟ ومن سيدفع للموظفين رواتبهم؟ هذه الأسئلة ليس لديها إجابات حتى الآن. ربما سيتم تصوير فيديو ساخر آخر في غزة يسألون به "هل تريدون الهدوء؟ فلتُعيدوا لنا الدولارات".

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق