الاستقلال/ أمل بريكة
فاقت قسوة مرض السرطان حدود آلامه ومتاعب الكيماوي في قطاع غزة، ووصلت لحد حرمان مصابيه من حقهم في العلاج، بعد أن بات هؤلاء المكلومون أداة أراد من خلالها الساسة تحقيق بعض مآربهم، فأكثر من 1500 مريض سرطان في القطاع يصارعون الموت، وينتظرون منذ أسابيع توقيع وزارة الصحة في رام الله على تحويلات العلاج الخاصة بهم، دون أن يصلهم أي رد حتى الآن.
وأوقفت وزارة الصحة برام الله كافة التحويلات الطبية التي تصدر من غزة لمكتب العلاج بالخارج في رام الله، وهناك المئات من التحويلات الموضوعة على الأدراج ولم يتم التوقيع بالموافقة عليها، مما يعرض حياة المرضى للخطر الشديد وخاصة مرضى السرطان، حيث شهدت مستشفيات القطاع حالات وفاة خلال انتظارهم للموافقة على تحويلاتهم الطبية.
مرضى يعانون
أم محمد (35 عاماً) من محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، اكتشفت أنها مصابة بمرض سرطان الغدة الدرقية قبل حوالي شهر، حينما ذهبت إلى مستشفى غزة الأوروبي لإجراء تحاليل عادية، إلا أنها صدمت بنتيجتها التي تؤكد اصابتها المبكرة بهذا المرض اللعين، وتحصلت خلالها على نموذج رقم 1 لإرساله إلى دائرة العلاج بالخارج لتلقي العلاج في مستشفيات الأرضي المحتلة عام 1948 وانقاذ حياتها خاصةً وأنها في المرحلة المبكرة من المرض والتي تحتاج على إثرها إلى رعاية أولية.
وقالت أم محمد لـ "الاستقلال"، إنها تقدمت لدائرة العلاج بالخارج في غزة لعمل اللازم، وفوجئت بالرد من قبلهم على أن التحويلات الطبية لمرض السرطان متوقفة من سلطة رام الله دون ابداء أية أسباب، الأمر الذي سيكلفها الكثير على المستويات الصحية والمالية والنفسية التي بدأت تتدهور شيئاً فشيئاً، وتحتاج إلى تدخل عاجل لكي تعود بصحة جيدة إلى زوجها وأطفالها الذين بدت عليهم علامات اليأس والحزن الشديدين.
ولم يختلف حال المريض ربيع خروب (40 عاماً) عن سابقته، حيث يصارع الموت على سرير المستشفى ويمسك هاتفه المحمول بانتظار وصول رسالة لطالما انتظر وصولها من عدة شهور، تخبره بأنه تمت الموافقة على اسمه ليسافر لمستشفيات الداخل لتلقي العلاج.
خروب الذي يعاني من سرطان في الرئة والدماغ، تقدم خمس مرات بتصاريح ورفضت، ويؤكد الأطباء أن حالته تتدهور وفي حال لم يصل لمستشفى متخصص سريعاً، ستتعرض حياته للخطر الشديد، تبعاً للحالة المرضية الصعبة الذي يمر بها.
ويناشد خروب، السلطة الفلسطينية ووزير الشؤون المدنية والمؤسسات الحقوقية والدولية، للوقوف بجانبه والعمل على إنقاذ حياته.
قطار الموت
بدوره أكد د. محمد أبو سلمية، مدير مستشفى الرنتيسي للأطفال، أن وزارة الصحة والمستشفيات في قطاع غزة لم تتلق أي اشعار رسمي حتى الآن يفيد بوقف التحويلات الطبية لسكان القطاع للخارج، لكن في ذات الوقت ومنذ حوالي شهر ونصف لم يتم توقيع أي تحويل لحالة مرضية لتلقي العلاج بالخارج.
وأوضح أبو سلمية في حديثه لـ "الاستقلال"، أن هناك نحو 1500 مصاب بمرض السرطان ينتظرون الحصول على تحويلاتهم، مشدداً على أن حياة المرضى مهددة بالخطر الشديد في حال استمرت المماطلة والتسويف.
وأشار أبو سلمية، إلى العديد من المعيقات التي تقف حائلاً أمام التخفيف من معاناة المرضى، وعلى رأسها نقص الأدوية الخاصة بعلاج السرطان، منوهاً إلى أنه منذ شهر لم تتلقى المستشفى شحنة علاج من رام الله، الأمر الذي ينذر بخطورة شديدة على حياة المرضى.
وتوقع أبو سلمية، ارتفاع عدد الوفيات في صفوف المرضى بشكل عام، ومرضى السرطان على وجه التحديد، في حال توقف ارسال العلاجات لغزة، حيث أن هناك ما نسبته 70 % من علاج السرطان غير متوفرة في المستشفيات والمراكز الصحية، وعلى رأس هذه الأدوية علاج سرطان الثدي والبروستاتا وسرطان المخ والأعصاب وهناك قائمة بأصناف أدوية أخرى للسرطان غير متوفرة.
وناشد أبو سلمية، أصحاب الضمائر الحية في العالم أجمع بإنقاذ حياة مرضى السرطان المهددة في ظل توقف الأدوية عن المرضى ومنع التحويلات للخارج، مطالباً بضرورة تحييد قطاع الصحة عن أية أمور سياسية.
ويشار إلى أن نحو 5 مرضى توفوا بسبب عدم تلقيهم العلاج جراء نقص الأدوية ومنع وصولها إلى القطاع من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
تحذيرات خطيرة
من جانبه حذر د. أشرف القدرة، الناطق باسم وزارة الصحة بغزة، من تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية لكافة المرضى في قطاع غزة، مبيناً أن الخدمات الصحية في مستشفيات القطاع مهددة بالتوقف بشكل كامل خلال الفترة المقبلة، حيث أن ما نسبته 35 % من الأدوية غير متوفرة في كافة المراكز الصحية والمستشفيات.
وأوضح القدرة لـ "الاستقلال"، أن ما تبقى من الأدوية العلاجية بالمستشفيات هي بقايا منحة "الأوتشا الإسعافية" ، والتي جاءت لدعم مستشفيات قطاع غزة ، حيث أن الكميات التي تدخل القطاع هي فقط كميات إسعافية وبتبرع من المجتمع المحلي ومنظمة الصحة العالمية.
وأشار القدرة، إلى تخاذل السلطة الفلسطينية عن دورها الوطني والخدماتي تجاه مرضى قطاع غزة، حيث منعت اللجان الفنية من توريد الأدوية لوزارة الصحة بغزة من شهر مارس الماضي، بالرغم من الجهود التي بذلها لاطلاع السلطة على تردي الأوضاع الصحية في القطاع، لكن للأسف حتى اللحظة لم يتم التحرك لتحسين الأوضاع الصحية واعادة توريد الأدوية لغزة.
وطالب القدرة، بتجنيب القطاع الصحي عن اية صراعات سياسية، وضرورة أن تكون حياة الناس بمنأى عن أي خلاف.
دعوات لإنقاذهم
من ناحيته أشار الصحفي فتحي صباح، مسؤول الاعلام في حملة انقاذ غزة، إلى إطلاق حملة شعبية لتسليط الضوء على قضايا مرضى السرطان الذين يعانون جراء الاحتلال الذي يحاصر قطاع غزة لأكثر من 10 سنوات ويتحكم في تصاريح المرضى ويمنعهم من تلقى العلاج، الأمر الآخر توقف التحويلات الطبية من دائرة العلاج بالخارج في غزة.
وأوضح صبّاح لـ"الاستقلال"، أن الحملة جاءت ايماناً من القائمين عليها بأن حياة المرضى أصبحت مهددة بالموت لعدم تلقيهم العلاج المناسب ومنعهم المتكرر من السفر، وخاصة مرضى السرطان ممن قد يتعرضون إلى مساومة من الاحتلال الإسرائيلي لتجنيدهم لصالح المخابرات الاسرائيلية مقابل تلقي العلاج.
وبين صبّاح، أنه حسب احصائية نشرها مركز الميزان لحقوق الإنسان، أن أكثر من 50 % من مرضى السرطان أي 10 ألاف مريض لم يحصلوا على تصاريح لتلقي العلاج اللازم، وعلى وزارة الصحة برام الله أن تقدم لهم العلاج المطلوب حتى يقووا على المرض وينتصروا عليه، مؤكداً أن عودتهم من نقطة البدء في العلاج سيكلفهم حياتهم، اضافةً إلى اهدار المال، نظراً لتكلفة علاج مرض السرطان العالية.
وذكر أن الحملة تدرس تنفيذ ادوات ضغط مختلفة في المرحلة المقبلة كالاعتصامات على الارض، واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي، للضغط على المسؤولين لحل هذه المشكلة، ومن أجل تحييد القطاع الصحي عن المناكفات السياسية.


التعليقات : 0