غزة / محمود عمر:
منذ توقيع منظمة التحرير الفلسطينية على اتفاق "أوسلو" مع الاحتلال الإسرائيلي، وما تمخض عنه هذا الاتفاق من انجاب السلطة الفلسطينية على أسس وقواعد تستند على التنسيق الأمني مع الاحتلال والانقياد للاقتصاد الإسرائيلي، واجه الشعب الفلسطيني أزمات حياتية صعبة للغاية أوصلته إلى نتائج كارثية على المستويين المعيشي والوطني.
وتتمثل الأزمات الحياتية في سياسة السلطة الماضية بقطع رواتب الموظفين وعائلات الشهداء والأسرى الذين قدموا أرواحهم وزهرات شبابهم رخيصة من أجل الوطن، فضلاً عن مساهمة السلطة في تشديد الحصار المفروض على غزة ومن أشكالها عدم توفير السولار اللازم لمحطة الكهرباء، وخفض التحويلات العلاجية من غزة للخارج.
فيما تتمثل الأزمات الوطنية في تضاعف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة والقدس، واشتداد هجمة التهويد في المدينة المقدسة، وزيادة وطأة الاحتلال وظلمه ضد الأسرى الفلسطينيين، دون امتلاك السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير أي حلول سياسية فلسطينية لمواجهة كل هذه التحديات.
وبينما يعيش الفلسطينيون هذه النتائج الكارثية التي أوصلت قضيتهم الفلسطينية إلى طريق مسدود، احتشد آلاف المواطنين في مدينة غزة لمطالبة رئيس السلطة محمود عباس بـ"الرحيل"، بدعوة من "الحراك الشعبي للإنقاذ الوطني".
ورفع المتظاهرون شعارات مناهضة للرئيس عباس، منها: "غزة والضفة إخوان ارحل ارحل يا عباس"، ورفعوا لافتات كُتب عليها: "ارحل يا عباس"، و"يا حمد الله ويا عباس خبز الناس هو الأساس"، و"يا عباس ارفع القيود عن حركة الأموال من وإلى قطاع غزة".
وقال عضو الحراك زياد أبو طه إن المتظاهرين جاؤوا ليؤكدوا حرصهم على إعادة ترتيب منظمة التحرير وتفعيلها لتكون الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا "كما يراها الشعب وليس المتنفذون حسب أهوائهم الداخلية".
وأشار إلى أن الفعاليات جاءت "بعد أن شارفت القضية على الضياع، وأصبحت القدس تحت التهويد الزماني والمكاني، وازداد عدد المستوطنين بالضفة، في وقت يعتقل فيه جيش الاحتلال المناضلين ويفجر بيوتهم في الضفة تحت مرأى من السلطة، وبعدما استبد التنسيق الأمني وأصبح مقدسًا، وأصبح أهالي الشهداء والجرحى والأسرى يتسولون على الطرقات بفعل قطع رواتبهم"، على حد قوله.
تفرد في القرار
ويرى المحلل السياسي طلال عوكل، أن حالة التفرد في اتخاذ القرارات وعدم الإيمان بالشراكة السياسية التي انتهجتها السلطة الفلسطينية، كانت أهم الأسباب وراء تردي الأوضاع الوطنية والسياسية والمعيشية لدى الشعب الفلسطيني .
وقال عوكل لـ"الاستقلال":" شهدت القضية الفلسطينية فصولاً مأساوية منذ اتفاق أوسلو، إذ كانت حركة فتح ولا زالت متفردة في قرار منظمة التحرير، ثم جاءت الانتخابات البرلمانية عام 2006 لتزيح بحركة فتح وتصعد بحماس، ولكن رئيس السلطة عباس رفض تقبل الأمر الواقع وانتهج نهجاً إقصائياً ضد حماس انتهى بالانقسام الفلسطيني".
وبيّن أن الانقسام الفلسطيني شكل محطة جديدة من تردي الأوضاع الفلسطينية بما تخلله من انفصال سياسي مستمر بين غزة والضفة، وتشكيل حكومتين واحدة في غزة والأخرى في الضفة.
وأضاف عوكل: "ولكن مع تأزم حركة حماس وانسداد مصادر تمويلها بسبب الثورات العربية من جهة وحملات هدم الانفاق من جهة أخرى، ذهبت حماس نحو المصالحة كمخرج وهنا استغلت السلطة حاجة حماس للمصالحة".
وتابع: "أراد عباس بشكل واضح من خلال هذه المصالحة، إزاحة حماس عن المشهد السياسي وعودة الحكم للسلطة التي تمثلها حركة فتح، واتبع سياسة قمع واستبداد وقطع رواتب من أجل الضغط على حماس للقبول بهذه المعادلة".
وأشار المحلل السياسي إلى أن الخروج من كافة هذه المتاهات التي أضعفت القضية الفلسطينية، يمكن من خلال الذهاب نحو انتخابات فلسطينية عامة، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية مع إشراك الكل الفلسطيني في هذه المنظمة.
إعادة ترتيب المنظمة
من ناحيته، وافق استاذ العلوم السياسية أحمد عوض، عوكل، في أن إجراء انتخابات حرة ونزيهة للرئاسة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني، وعقد الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير، هو الحل أمام الشعب الفلسطيني وكافة فصائله من أجل إنهاء مشاكله الداخلية والتفرغ لمواجهة التحديات الخارجية.
وقال عوض لـ"الاستقلال": "يجب وقف هذا النزيف الحاصل في الحالة الفلسطينية، وإعادة رواتب كافة الشهداء والجرحى والمناضلين وكافة الموظفين التي قطعت بسبب النزاع الداخلي الفلسطيني".
وبيّن أن هذا الصراع هو عصب صفقة القرن التي يروج لها رئيس الإدارة الأمريكية دونالد ترامب، والقائمة على فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، مشيراً إلى أن التخلي عن اتفاقية أوسلو هي أولى خطوات مواجهة هذه الصفقة والقضاء عليها.
وأضاف عوض: "المدخل الحقيقي لالتئام الكل الفلسطيني يجب أن يكون أسفل قبة منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها ممثلة عن الشعب الفلسطيني، وهذا يتطلب إعادة ترتيب هذه المنظمة لتصبح قوية في وجه "إسرائيل" وأمريكا وأي جهة تحاول القضاء على القضية الفلسطينية".


التعليقات : 0