مركز أطلس للدراسات:
عن ماهية الطريق التي تسلكها "إسرائيل" في مواجهة حماس، كتب الضابط الإسرائيلي دافيد حاخام، الذي عمل كرئيسٍ لقسم الشؤون العربية للحاكم العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة ما قبل وبعد الثمانينات، ومؤلف كتاب "غزة في مستوى العينيْن .. نظرة من الداخل على الانتفاضة" الذي نشر عام 2016، يقول: في أعقاب مرور سنة تقريبًا على اشتعال المظاهرات على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل، وعلى خلفية الجهود المصرية لتثبيت التهدئة؛ يُطرح على جدول الأعمال سؤال: ما هي الطريق التي يتوجب على إسرائيل أن تتبعها تجاه حماس؟ أرغب في مناقشة هذا السؤال أيضًا على قاعدة معرفتي القريبة والطويلة التي امتدت لسنوات في إطار خدمتي العسكرية حول ما يحدث في القطاع، ومعرفتي بشخصيات رفيعة المستوى من حماس.
تحليل خطوط العمل التي على إسرائيل اتباعها يقتضي معرفة استراتيجية حماس، خاصة على المستوى السياسي والأيديولوجي. يجدر التأكيد على أن حماس التي أسست بعد أيام على اندلاع الانتفاضة الأولى؛ عملت فعليًا كفرع لجماعة الاخوان المسلمين التي أنشئت في مصر في نهاية العشرينيات، تأثر منها ومثل مبادئها في الساحة الفلسطينية.
على المستوى الملموس، يجب التعامل مع مستوييْن رئيسييْن كقاعدة للتحليل: الأول هو السياسي - الأيديولوجي، فحماس تطرح فيه نظرية منظمة ومفصلة لمواقفها وآرائها، ومصاغة بصورة قاطعة فيما يتعلق بإسرائيل واليهود. بالملخص، حماس ترفض وجود إسرائيل، وهي لا تعترف بها ككيان سياسي شرعي، وتدعو فعليًا إلى تصفيتها وإقامة دولة إسلامية فلسطينية على أنقاضها؛ كل ذلك في حدود معينة، من البحر إلى النهر، وكمرحلة أولى تمهيدًا لإحياء الخلافة الإسلامية في المستقبل.
المستوى الثاني هو مستوى النشاط على الأرض. في هذا الشأن، يُمكن ملاحظة مقاربة براغماتية من جانب حماس، التي يتم التعبير عنها كاستعداد للدفع قدمًا بتفاهمات مع إسرائيل على وقف إطلاق النار (تهدئة حسب وصفها)، ولكن دون الاعتراف بإسرائيل، ومن خلال إجراء مفاوضات معها عن طريق وسطاء.
قبل سنة تقريبًا، بدأت حماس بمظاهرات ومواجهات عنيفة على طول الحدود، من خلال تسميتها "مسيرات العودة وكسر الحصار"، في ظل الشعور بالأزمة التي وجدت نفسها بها بعد دفعها إلى الزاوية، سواء من قبل إسرائيل أو من قبل الأنظمة العربية، هذا على خلفية التطورات في المنطقة، قلة الاهتمام بالموضوع الفلسطيني، الوضع الاقتصادي الصعب الذي تغرق فيه حماس، والانشغال المتزايد بمواضيع إقليمية أخرى، وفي مركزها مشكلة إيران. في هذه الظروف، تعزز في حماس الخوف من تهديد متزايد على استقرار حكمها وعلى استمرار سيطرتها في القطاع؛ الأحداث العنيفة على الحدود تستهدف تغيير قوانين اللعب من ناحيتها.
في الحقيقة، حماس تدير ضد إسرائيل حرب استنزاف، التهديد الذي تضعه حماس أمام إسرائيل ليس بمستوى الخطر الوجودي، ومظاهر نشاطها في السنة الأخيرة لا تشكل بالنسبة لها ذريعة للحرب. إزاء ذلك، على إسرائيل أن تظهر مقاربة تدمج التصميم والصبر والصمود والعمل ضد حماس بخطوات محسوبة، من خلال الاعتراف بأن الأمر لا يتعلق بصراع قصير على نمط "ضربة واحدة وانتهى الأمر"؛ بل معركة طويلة ومتواصلة.
بحسب سيناريو تقف إسرائيل فيه أمام ضرورة شن عملية عسكرية شاملة، عليها أن توقع ضربات مؤلمة لأهداف حماس؛ ولكن ليس من خلال نية احتلال المنطقة، ومن خلال التصرف بصورة لا تجرّها إلى التخبط ثانية في وحل غزة.
إن اعطاء تفويض جديد للسلطة الفلسطينية للعمل في القطاع يبدو لي في الظروف الحالية سيناريو لا أساس له وغير واقعي، حماس سيطرت في العام 2007 على القطاع؛ ليس من أجل تحويل المنطقة على طبق من ذهب إلى أيدي محمود عباس. في أي سيناريو، لا أرى كاحتمال معقول موافقة من جانب حماس على نزع سلاحها وإعطاء عباس المسؤولية لإدارة الشؤون بروح طلبه المعروف وهو "حكم واحد وقانون واحد وسلاح واحد".
في هذه الظروف، على إسرائيل أن تواصل سياستها الحالية، التي يتم التعبير عنها بجهد لتأسيس تهدئة أمنية لفترة طويلة بقدر الإمكان، مقابل ثمن بالحد الأدنى من ناحيتها يتمثل بتحويل مساعدات مدنية إنسانية، ضخ الدعم المالي من مصادر خارجية وتوسيع منطقة الصيد. مع ذلك، على إسرائيل أن تقف بالمرصاد، وأن تمنع تآكل مطالبها الأمنية ومواصلة الرقابة الشديدة كمحاولة لإحباط تعاظم قوة حماس العسكرية.
في هذه الأيام، حيث تقف إسرائيل إزاء تحدٍ مهدد تضعه حماس، أتذكر الأقوال التي قالها لي رئيس البلدية الأسطوري في غزة رشاد الشوا، والتي تظهر كنبوءة تجسدت. لقد كان ذلك قبل فترة قصيرة من موته في أيلول 1988، قبل أقل من ساعة على اندلاع الانتفاضة، جلسنا على شرفة بيته الذي عاش فيه في حي الرمال الفاخر، وحولنا سمعت أصوات المتظاهرين المحتجين ضد الاحتلال الإسرائيلي، وزجاجات حارقة ألقيت على الشارع، وسحب دخان كثيفة تصاعدت من الإطارات المشتعلة، نظر نحوي وسأل: ما هي غزة؟، وبدون الانتظار سارع إلى الاجابة: غزة هي مشكلة إسرائيل، بالحسنى ستعيش معكم بسلام، وبالشر ستكون حجر رحى معلق على رقابكم.


التعليقات : 0