الشهيد حرارة.. عندما تسبق الشهادة فرحة العمر

الشهيد حرارة.. عندما تسبق الشهادة فرحة العمر
مقاومة

غزة/ دعاء الحطاب:

على غير عادته لم ينم ليله طويلاً وظل منتظراً بزوغ شمس الصباح على مدينته، حتى هم مبكراً لإيقاظ عائلته في يومه المحبوب لقلبه (الجمعة)، فلم يترك أحداً بشأنه، تارة يداعب أشقاءه وتارة أخرى يُشاكس والدته ويقبل يديها كي تنهض من فراش نومها. 

 

ولم يتوقف الشاب «جهاد حرارة» عن مُحادثة والده وظل يسأله بين الفينة والأخرى «هل سيرزقني الله الشهادة؟»، حتى أجابه مُتبسماً:» يا ابني أول بدي أجوزك وأفرح فيك، بعد عمر طويل إن شاء الله تنولها»، فرد عليه مستشعراً بقلبه بأنها لحظة وداع:» عن قريب راح أتزوج من حور العين، وانت تفرح فيا».

 

 

وبعد بضع ساعات، خرج جهاد من المنزل ملوحاً بيدية لعائلته بإشارة السلام، متوجهاً لميدان مسيرات العودة الكبرى في الجمعة الـ51 شرق حي الشجاعية، ليرتقي شهيداً إثر اصابته بعيار ناري فجر رأسه، جراء اعتداءات ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد المُتظاهرين.

 

شعور غريب

 

مرت ساعاتٍ طويلة على غياب "جهاد" والدته تشتعل خوفاً وقلقاً لغيابه، في حين كان اليوم عادياً بتفاصيله بالنسبة لوالد الشهيد، لكن مع ساعات المساء الاولى بدأ شعورٌ غريب يتسلل لقلبه، لا يعلم سببه.

 

وما هي الا لحظات حتى تلقي والد الشهيد اتصالاً هاتفياً من زوجته تُخبره بقلق شديد:" جهاد ما رجع من المسيرات، وما أخد معه الجوال ولا الهوية، خائفة عليه"، لم يستطع الوالد أن يتمالك نفسه، فأخذ يجري اتصالاتٍ بالمعارف والاصدقاء لعل أحدهم يعرف مكان "جهاد"، حتى علم من أحدهم أن وزارة الصحة أعلنت عن شهيد مجهول الهوية. بسرعة البرق، انطلق الوالد صوب المستشفى ليتعرف على الشهيد، فربما يكون نجله "جهاد"، وبمجرد دخوله البوابة ركض باتجاه ثلاجات الموتى، وهناك شاهد فلذة كبدة ممدداً داخلها جثةً هامدة، لتكون فاجعة الاستشهاد أقوى من الوصف.

 

بحسرة وألم، يقول والد الشهيد:" جهاد كل جمعة بشارك بمسيرات العودة، ومتعودين انه برجع قبل المغرب، لكن هذه المرة تأخر كتير، فاتصلت فيا زوجتي وقالت انه ما رجع، شعرت انه الدنيا ضاقت عليا كتير، اتصلت بكل المعارف أسال عنه ما حد شافه، لكن أحدهم اخبرني بوجود شهيد مجهول الهوية".

 

ويتابع بغصة لـ"الاستقلال:" مجرد معرفتي بشهيد مجهول الهوية، وضعت يدي على قلبي لأنه جهاد ناسي هويته بالبيت، طلعت أجري بدون وعي على ثلاجات الموتى بمستشفى الشفاء، لقيت جهاد غرقان بدمه ومكفن بالأبيض، كان جسمه بارد كتير".

 

زف عريساً

 

رحل" جهاد" لكنه ترك لأحبته كلمات يصدح صداها بكل لحظة، فقبل ساعات من استشهاده وعند تناول طعام الغداء تحديداً، جدد سؤاله الدائم لوالده:" هل سيرزقني الله الشهادة؟، وألحق بجدي وعمي وابنه؟"، فأجابه " يا ابني بدي أجوزك وأفرح فيك، إن شاء الله تنولها بعد عمر طويل"، فأجابه مبتسماً: "عن قريب راح أتزوج من حور العين، وانت تفرح فيا".

 

في حين قالت شقيقته الكبرى، قائلة:" حبيبي الله يطول بعمرك ونفرح فيك ونشوف والدك، انت سندنا بالحياة"، فأجابها فرحاً:" أكيد راح يجي يوم زفتي وتفرحوا فيا كتير، ما تقلقي". 

 

وأضاف الوالد وعلامات الفخر تفوق حزنه:" ما اهتمينا لكلام جهاد كتير واعتبرناه مجرد مزحة وانتهت، ما كنا بنعرف انه مستعجل كتير على الشهادة"، متابعا:" ألف مبارك يا ابني هيك صرت عريس لحور العين زي ما تمنيت".

 

وانهي حديثة قائلاً:" استشهاد جهاد ترك في قلوبنا ألماً كبيراً لن ننساه على مر السنين، لكن ابني فداء للوطن والأقصى، فداءً اللاجئين والاسرى خلف سجون الاحتلال"، مؤكداً أنه وجميع أبنائه مشاريع شهادة على درب جهاد وكافة شهداء فلسطين.

 

نظرة الوداع

 

هناك داخل منزل الشهيد، نسوةٌ يبكين من ألم الفراق وصدمة اللحظة التي لم يتوقعن حدوثها رغم الحقيقة السوداء في بيتٍ خيم الحزن عليه، وقلب أمٌ يتقطع وينفطر ألماً على رحيل فلذة كبدها، وصرخات أخواتٍ فقدن سندهن الفذ، جميعهن ينتظرون اطلالة قمر الشهيد.

 

وبمجرد دخول جثمان الشهيد جهاد حرارة الى منزل عائلته ، انفض الجالسون من أماكنهم وافسحوا الطريق أمام والدة الشهيد، حيث تقدم المشيعون بالجثمان، ووضعوه أمامها، تقدمت الأم المكلومة ناحية جسد ابنها المسجى أمامها، وأطالت النظر الى وجهه الناضر، ثم طبعت قبلة الوداع على جبينه.

 

وانطلق موكب التشييع بمشاركة كوادر حركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري سرايا القدس، و  والاف المواطنين، من مستشفى الشفاء بمدينة غزة، نحو مسجد الشهيد فتحي الشقاقي بحي الشجاعية للصلاة عليه، مروراً ببيت الشهيد لإلقاء نظرة الوداع عليه، ثم ووري الثرى بمقبرة الشهداء، وسط صيحات التكبير والتهليل ودعوات المقاومة للرد على جرائم الاحتلال الصهيوني بحق أبناء شعبنا.

 

ونعت سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد في فلسطين، مساء الجمعة، شهيدها الشاب جهاد حرارة، الذي ارتقى خلال مشاركته في فعاليات مسيرات العودة وكسر الحصار شرق غزة، مؤكدةً على أن دماء الشهداء لن تضيع هدراً، معاهدة الله -تبارك وتعالى- وشعبنا وأمتنا بالحفاظ على مسيرة الجهاد والشهادة، والمضي قدماً في نهج المقاومة حتى تحرير كامل فلسطين الحبيبة.

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق