غزة/ دعاء الحطاب:
"كلٌ ركن في بيته بدا ساكناً، صمت الفرح وتوسد الحزن، وتوشحت جدرانه بالظلام، اختفت الضحكات التي كانت تعلو أرجاءه، سريره الذي كان يحتضنه بات بارداً، حتى كرسيه المُتحرك أصبح ثابتاً بمكانه"، هكذا بدا المشهد داخل منزل الشهيد المُقعد فادي أبو صلاح، بعد مضي ما يقارب من العام على رحيله في مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار.
بضعة أشهر مضت على رحيل " فادي" المُفجع، لم تكن كفيلة بأن تمسح صورة دمائه المُتناثرة على كرسيه المُتحرك وجسده المُلفوف بالكفن الأبيض من ذاكرة والدته المكلومة، ليبقي المشهد الذي رأته حاضراً بذهنها في كل وقت لا يفارقها أبداً وكأنه وقع الآن، وفلذة كبدها أمام عينيها في كل مكانٍ تقصده.
ورغم يقين والدة الشهيد بأن الميت لا يعود للحياة بالتأكيد، إلا أنها تنتظر عودته في كل لحظة، فهي تسمع صوته عندما يرن جرس الهاتف، وتراه مبتسماً كلما شاهدت كُرسيه المُتحرك، كما أنها تركض صوب باب المنزل كُلما قرع الجرس أملاً بأن يكون الطارق" فادي".
واستشهد فادي أبو صلاح (30 عاماً) أحد مجاهدي سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، في الرابع عشر من مايو/ أيار 2018 برصاصة قناص إسرائيلي بالصدر، خلال مشاركته بمسيرات العودة شرق مدينة خانيونس جنوب القطاع.
نصف جسد
وفي التاريخ ذاته ولكن قبل عشرة أعوام 14مايو/أيار 2008م لم يكن يوماً عادياً في حياة الشهيد "فادي"، فقد انقلبت حياته رأساً على عقب و ازداد بقلبه عشق الشهادة والانتقام من عدوٍ لا يرحم، بعد أن فقد طرفية السفليين إثر اصابته بصاروخ أطلقته طائرة حربية بجوار منزله في بلدة عبسان شرقي مدينة خانيونس جنوب القطاع.
والدة الشهيد لا تزال تذكر جيداً، كيف نجا بكرها "فادي" بصعوبة عند اصابته بصاروخ من طائرة حربية سنة 2008، عندما كان يبلغ عمره 19عاماً، فتقول:" وقع حادث سير في الطريق لسيارة الإسعاف التي نقلته، وبعد وصوله الى مستشفى ناصر ظن الجميع أنه فقد أنفاسه فوضعوه بثلاجة الموتى".
وأردفت بألم:" بعد عدة دقائق من تصميم صديقة الشهيد ياسر أبو طير نقله من ثلاجة الموتى الى غرفة العمليات، تفاجأنا بعودة الانفاس إليه من جديد"، مشيرة الى أن فادي مكث في العلاج مدة أربعة شهور في ليبيا، ثم عاد الى غزة بمعنويات مرتفعة.
إعاقة " فادي" لم تقتل حبه للحياة والتفاعل في المجتمع، فقد تزوج وأنجب خمسة أطفال وحجز لنفسه مكانة خاصة في قلوب الناس، وعمل على تطوير ذاته بصيانة الحاسوب لتكون مدخل رزقٍ له ولعائلته، إضافة إلى أنه كان كابتناً لفريق كرة قدم.
إرادة صلبة
ورغم أن "فادي" أصبح يتنقل عبر كرسيٍ مُتحرك، رفض الاستسلام وواصل مسيرة بعزيمة وحماسٍ شديدين في المشاركة بكافة الفعاليات الاحتجاجية والمظاهرات المناوئة للاحتلال ، خاصة عندما يسمع بوجود مواجهات مع قوات الاحتلال، حيث شوهد كثيراً وهو يدفع كرسيه المُتحرك ليتقدم الصفوف.
وأضافت الأم المكلومة لـ"الاستقلال":" بتر قدميه لم يغير مسار فادي، ولم يقلب أولويات حياته، بل زاده اصراراً على السير في طريق النضال على كرسيه المتحرك".
14مايو/أيار 2018م، توشح "فادي" بعلم بلاده، وانطلق نحو ميدان العودة يبث الهمة فيمن حوله تارة، وتارة أخرى يشق طريقه وسط الجماهير ليتقدم الصفوف الاولى بإرادة وتحدٍ دافعاً عجلات كرسيه المتحرك, ونظره صوب جنود الاحتلال المنتشرين خلف الكثبان الرملية وراء السياج الفاصل، حتى حمل مقلاعه وبدأ برشق الحجارة على الجنود بكل ما أوتي من قوة بنصف جسد.
لكن جيش الاحتلال لم يتحمل قوة وعزيمة" فادي"، الذي يُقاومه بنصف جسد، فقرر سرقة روحه عندما أطلق جندي غادر صوبه رصاصة حاقدة تمركزت في قلبه، ليرتقي شهيداً ويتحول لأيقونة ورمز لمسيرات العودة.
وتتابع بفخر: "منذ بداية مسيرات العودة كان يحرص على الحضور والمشاركة في كل فعاليات المسيرة، كنت أقول له بكفي اصابتك وعندك أولاد أقعد الهم، فيُجيب ضاحكاً كله ياما فداء للوطن وعشان أولادي يعيشوا بكرامة".
وأشارت إلى أن مشاركة " فادي" في مسيرات العودة كانت بهدف " إغاظة الاحتلال، والتأكيد على مدى تمسكه بأرضه وقدسه، ورسالة للعدو بأن روحه فداء للمسجد الأقصى، مُضيفةً:" الحمد الله فادي راحل شهيد، ابني فداء للوطن والقدس، الله يرحمه".
ما زال حاضراً
"عربته الحمراء، وعلم فلسطين الذي كان معلقاً عليها، وفريق كرة القدم الذي يقوده، والجوائز التي حصل عليها الفريق، والأطراف الصناعية الخاصة به، ومقتنياتٍ أخرى"، جميعها أبقته حاضراً في كل مكانٍ في منزله، وحياً في ذاكرة والدته.
بنبرة حزن لم تُغيرها الأيام، تقول والدة الشهيد:" الأيام ما نستني فادي، هو في بالي وقدام عيوني بكل يوم ولحظة بتمر عليا، كل شيء بذكرنى فيه، التلفون لما برن بسمع صوته، الباب لما بدق بتخيل رجعته، الأشياء المتعلقة فيه بتذكرني بضحكته اللي كانت مالية البيت عليا".
لم يكن فقدان فادي بالأمر السهل بالنسبة لعائلته، فقد ترك خلفه هموماً إضافية ترافقهم في مسيرة حياتهم المأساوية، فهو لم يكن ابنهم البكر بل الشهم الذي حمل على عاتقه تلبية متطلبات عائلته وأبنائه الخمسة، شاقًا مشواره في البحث عن مصدر كسب مبكرًا منذ نعومة أظافره التي كبرت على تحمل ضنك الحياة.
بدموعٍ حزينة وحسرةٍ تجتاح قلبها، أضافت:" الحياة بعد استشهاد فادي صعبه كتير، أشعر كأنها توقفة عنده، فقد كان السند الوحيد لي ولأخواته ولزوجته وأطفاله الخمسة، معاناتنا كبيرة بغيابه و ما حد راح يعوضنا عنه".
ورغم آلام الفراق التي تنهش قلب والدة الشهيد، إلا أنها باقية على عهد نجلها بالمشاركة في فعاليات مسيرات العودة دائماً، وتؤمن بأنه لابد من يوم تعود فيه مع أبنائها وأحفادها الى بلدتهم الأصلية يافا.
بصوت الواثقين، أكدت:" حق العودة مُقدس، وسأستمر بالمشاركة في فعاليات مسيرات العودة مع عائلتي وأصطحب معي أبناء فادي، وسنظل نطالب بحقنا مهما كلفنا الثمن".


التعليقات : 0