غزة/ دعاء الحطاب:
رغم حالة الإحباط والألم التي تعتري والدة الأسير المريض معتصم رداد، إزاء مُعاناة فلذة كبدها من سياسة الإهمال الطبي منذ (12عاماً)، لا تمل من طرق مختلف الأبواب لبث حزنها وشرح مُعاناته داخل السجون الإسرائيلية، لعلها تفتح بأحزانها أبواب الأمل المغلقة تحت صلف الاحتلال وصمت العالم.
ففي وقتٍ يستمر فيه هذا الجرح النازف تواصل قائمة الاسرى المرضى تمددها، وبالتزامن مع يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان، تستصرخ « رداد» المنظمات الدولية والقيادات الفلسطينية والمُؤسسات المعنية بشؤون الاسرى، لإنقاذ حياة ابنها من مقصلة الإهمال الطبي، فهي تريد أن تلتقي به حياً وليس جُثةٌ هامدة على نعش الموتى.
معاناة الأم "رداد" تتقاسمها 700 أم أسير مريض يقبعون داخل زنازين الموت الإسرائيلية، يُعانين لوعة الفراق و يعتصر أفئدتهن ألم لحال أبنائهن، عشن قصصاً تدمي القلوب لكنهن يمطرن صبراً ويفضن من رحم ألمهن أملاً بحريةٍ لابد أن تشرق شمسها، أو شفاءً لا يُغادر سقما.
الآلام متواصلة
منذ سنواتٍ طويلة لم يعرف قلب والدة الأسير "رداد" طريقاً للاطمئنان والسكينة، خاصةً بعد ازدياد أوضاع نجلها الصحية سوءاً جراء الإهمال الطبي الذي طالت شظاياها كافة الاسرى في سجون الاحتلال، فتقضي ليلها ونهارها بين الدعاء والبكاء أملاً بنجاة فلذة كبدها.
بعيونٍ حزينة تفضح خوفها، تقول والدة الأسير:" معتصم في صراع المرض داخل السجن، ما ضل شيء بجسمه إلا بوجعه، بعاني من سرطان ونزيف حاد بالأمعاء، ومرض ضغط الدم وعدم انتظام دقات القلب وارتفاع الكولسترول، وضيق في التنفس وحساسية في الأنف والتهاب في المفاصل".
وأضافت بحسرة لـ"الاستقلال":" الاحتلال بتعمد قتله ببطء بسياسة الإهمام الطبي، بعطيه حبة" الأكامول" لكل الأمراض اللي فيه، شو حبة المسكن بدها تعمل أمام كل هذه الامراض والاوجاع اللي فيه؟"، مستدركة:" معتصم له 10 سنوات بمستشفى الرملة، شو هادي المستشفى اللي المريض بفوت فيها بزيد مرضه بدل ما يخف؟".
بغصة تعترض صوتها، أردفت:" معاناة معتصم مع المرض ما بتوقف عنه، فقد أصابتنا جميعاً، ففي كل يوم نعيش كافة أنواع الخوف والقلق عليه، خائفين نفتح عيوننا بيوم على خبر استشهاده، غير معاناتنا الطويلة والذل اللي بنشوفه على المعبر عشان نزوره".
وتتابع:" كل سنة كنت بزور معتصم مرتين، لكن هادي السنة سحبوا مني التصريح بحجة المنع الأمني، امرأة عمرها 70 سنة شو الخطر اللي بدها تشكله على أمنهم؟، ليش بدهم يحرمونا من شوفته حتى وهو مريض؟"، مُضيفة:" الله يحرق قلوبهم ويحسرهم على أولادهم زي ما بحرقوا قلوبنا على ولادنا".
وناشدت المنظمات الدولية والقيادة الفلسطينية والمُؤسسات المعنية بشؤون الاسرى، بالتحرك الجاد لإنقاذ حياة الاسرى المرضي من مقصلة الإهمال الطبي، قائلة:" احنا بدنا نسلتم أولادنا أحياء، بدنا نشوفهم واقفين على رجليهم، يقعوا معنا على سفرة الطعام، ما بدنا نشوفهم شهداء بعد كل هادي السنوات من الحسرة والانتظار".
ويقبع الأسير رداد في سجن عيادة الرملة منذ عشرة أعوام، ومعتقل من 2006م ومحكوم بالسجن لمدة عشرين عاماً بتهمة الانتماء والعضوية في سرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي.
رحلة موت
وفي حكاية أخرى، تشيح زوجة الأسير المريض ماهر الهشلمون بوجهها جانباً وهي تخفي دمعها حزناً وألماً لمعاناة "رفيق دربها" كما اسمته، نتيجة سياسة الإهمال الطبي التي تُمارسها إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية ضد الاسرى المرضى.
بدأت مأساة "الهشلمون" منذ عام 2014 لكن أوجاعها لا تقل عن زوجات وأمهات الاسرى الأكثر قدماً، فزوجها يُعاني من ألام حادة في منطقة المعدة و الصدر لاسيما في الجهة اليسرى بالقرب من القلب في المكان الذي استقرت فيه إحدى الرصاصات التي لم يقم الأطباء بإزالتها.
فتروي لـ"الاستقلال" غصتها:" منذ اعتقال ماهر والألم يتوقف بداخلي وكأنه كُتب علينا الحزن بكل لحظة تمر بدونه، ففراقه أشبه بطلوع الروح ببطء، خاصة أن ظروف اعتقاله كانت سيئة للغاية، فقد اعتقل وهو مصاب بـ6 رصاصات بأماكن مختلفة "الرئتين، الصدر، اليد، البطن".
وتتابع بألم:" بداية الاعتقال كان الأمر مرعب جداً، كنا نعتمد على الاعلام لمعرفة أوضاعه الصحية، ففي ساعة يقول على قيد الحياة و ساعه حالته خطرة و أخرى استشهد، وفي أخر مرة قمنا بنصب بيت عزاء له بعد اخبارنا انه استشهد، كانت تلك الأيام أصعب الأوقات التي مرت علينا فترة اعتقاله".
وفيما يتعلق بهمجية الاحتلال في التعامل مع الاسرى المرضى داخل التحقيق، قالت:" زوجي دخل في غيبوبة بعد اصابته، ونُقل اثرها لمستشفى " هداسا عين كارم" في القدس، وبمجرد استيقاظه بدأ جنود الاحتلال بالتحقيق معه بأسلوب همجي دون أن يراعوا ظروفه الصحية، فكبلوه بالسلاسل الحديدية وقاموا بتعذيبه نفسياً للاعتراف بالتهم الموجه اليه".
وأردفت:" بعد رحلة طويلة من العلاج في مستشفى " هداسا عين كارم" نُقل ماهر الى مستشفى الرملة الذي يُسميه الاسرى" بالتشريح أو المسلخ"، حيث لا أطباء ولا دواء ولا يرقى حتى ليكون عيادة، وهناك كانت معاناته أكثر وتعرض لإهمال طبي"، مشيرة إلى أنه كان يُعاني من ألآم شديدة بالرئتين وتراكم الدماء عليهما حتى تتوقف تماما عند العمل، وعندما يُوشك على الموت يقدموا له العلاج".
وأضافت:" بعد أشهر طويلة قضاها ماهر بالرملة، قرر الاحتلال نقله الى سجن ريمون رغم انه مازال يُعاني من ألام شديدة في المعدة والصدر بجهة القلب لاستقرار الرصاصة بها"، مبينةً أن زوجها يُعاني منذ عامين ونصف داخل سجن ريمون من أماكن الإصابات والتهابها، وبعد مماطله يُعرض على العيادة المُلاصقة للسجن لتلقي العلاج الذي يكون في الغالب "حبة دواء تستخدم لأوجاع الرأس، مهما كان مرضه".
وفي نهاية حديثها، اكدت أن الأسير المريض داخل سجون الاحتلال يعيش رحلة موت مُتواصلة وليس رحلة علاج نتيجة الإهمال الطبي، وفي ذات الوقت يعيش ذووه الموت ألف مرة باليوم ألماً وحسرةً عليه ، فابنهم الأسير يُصارع الموت وحيداً ولا يمتلكون أي وسيلة لإنفاذه.


التعليقات : 0