الاستقلال/ محمود عمر
يجمع مراقبون فلسطينيون على أن التقلبات الطارئة في الوضع الفلسطيني الداخلي وفي الوضع الإقليمي أيضاً، تدور في فلك "صفقة القرن" التي تبنتها الإدارة الأمريكية وتهدف لتصفية القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعيداً عن خيار ما يسمى "حل الدولتين" الذي أثبت فشله تماماً، وبما يصب في مصلحة الكيان الصهيوني.
وصفقة القرن هو مصطلح تردد أول مرة في عام 2006 وعُرف بـ"عرض أولمرت" أو "تفاهمات أولمرت وعباس" والتي كانت تقوم على أساس "حل الدولتين" مع تبادل طفيف للأراضي يصل إلى ما نسبته 6% من الضفة الغربية، ولكن هذه الصفقة أجري عليها تغييرات عديدة بما يتلاءم مع المصلحة الإسرائيلية، ونوقشت في مباحثات عديدة جرت بين الأردن ومصر و"إسرائيل" برعاية أمريكية، وباتت تحمل في طياتها العديد من المشاريع التي تهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين وليس حل الصراع فحسب.
ومن بين هذه المشاريع التي يدور الحديث عنها، عودة مسألة توطين الفلسطينيين في أكثر من بقعة جغرافية، وضم جزء من سيناء لقطاع غزة لتصل مساحة القطاع إلى 600 كيلو متر مربع مقابل حصول مصر على 200 كيلو متر مربع من صحراء النقب ومزايا اقتصادية أخرى، وتبادل أراضٍ بين الضفة والداخل المحتل يصل إلى ما نسبته 12% وليس 6% فقط، وإنشاء كونفدرالية أردنية فلسطينية.
وأثار توقيت إعلان السلطة إجراءاتها القمعية ضد القطاع، والتي تزامنت مع جهود الإدارة الأميركية لإطلاق عملية التسوية، شكوكاً بأن تكون تلك الإجراءات ناتجة عن ضغط عربي ودولي بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على السلطة، لعقد تسوية إقليمية تنهي الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
كما أن ثمة ارتباطاً وثيقاً بين إجراءات السلطة بحق غزة والجهود الأمريكية لاستئناف التسوية، والحصار الخليجي لدولة قطر التي تتعاطف وتدعم حركة حماس، وتنامي حالة الانفتاح العربي تجاه تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني.
وكانت مصادر فلسطينية كشفت أن ترامب سيعلن في أوائل مطلع شهر آب/ أغسطس المقبل من العاصمة الأمريكية واشنطن عن بدء العمل على تطبيق صفقة القرن، من خلال إطلاق جولة مفاوضات جديدة بين السلطة و(إسرائيل).
تصفية القضية
القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، أحمد المدلل، يرى أن صفقة القرن التي ترعاها أمريكا تهدف إلى إنهاء القضية الفلسطينية وتصفيتها، من خلال العمل على ثلاثة محاور.
وقال المدلل لـ"الاستقلال": "المحور الأول هو تعزيز الهيمنة الأمريكية على الإرادة العربية والسيطرة على المقدرات والموارد العربية، وقد رأينا هذا يحدث بشكل واضح من خلال منح النظام السعودي 460 مليار دولار لترامب لكي تتحول ضرائب هذه الأموال للعدو الصهيوني لزيادة تهويد الأرض الفلسطينية".
أما عن المحور الثاني – وفق القيادي في الجهاد الإسلامي، فيدور حول دعم الصراعات الدائرة داخل أمتنا العربية والإسلامية، وقال: "ما نراه من دم حرام يسفك في شوارع ومدن أمتنا لا يمكن أن يخدم قضيتنا إنما يخدم العدو وأمريكا التي تدعم هذه الصراعات من أجل زيادة تفكيك الأمة".
وبيّن أن المحورين الأول والثاني يؤديان إلى المحور الثالث والرئيس في هذا المخطط والذي من أجله تقوم صفقة القرن وهو تصفية القضية الفلسطينية وتغييب الامة العربية والإسلامية وانشغالها بصراعاتها وتطبيعها مع "إسرائيل"، وهذا سيؤدي إلى إقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين وتفتيت الأرض الفلسطينية.
وأضاف المدلل: "إن صفقة القرن تستند على تحويل الضفة إلى كانتونات فلسطينية تدمج بكونفدرالية مع الأردن وفصل غزة وتدمير مقاومتها ودمجها بمصر".
وشدد على ضرورة التفات المسؤولين عن الانقسام الفلسطيني إلى مثل هذا المخطط من خلال تحقيق الوحدة الوطنية ونبذ الانقسام والمصالح الحزبية الضيقة، وقال: "نقول للطرفين حماس وفتح، علينا أن نكون على قدر من المسؤولية تجاه شعبنا وقضيتنا حتى نستطيع مواجهة هذا المخطط الإقتلاعي، ويجب تحقيق الوحدة لمواجهة المؤامرات التي تحاك ضد القضية الفلسطينية والالتفاف وراء خيار شعبنا وهو خيار المقاومة الذي لا يمكن أن نحيد عنه".
صفقة لن تمر
من جهته، قال عضو المكتب السياسي لحركة "حماس"، موسى أبو مرزوق، إن "صفقة القرن لن تمر مهما ساءت الأوضاع الإقليمية، وانشغل الإقليم بنفسه".
وشدد أبو مرزوق، في تغريده نشرها على حسابه في موقع تويتر مؤخراً، على أن الكيان الصهيوني لن يكون "جزءاً من المنطقة ما دامت القدس والأقصى عنوان المرحلة".
وسبق أن لخص أبو مرزوق ملامح السياسة الأمريكية الجديدة في إطار ما عُرف إعلاميا بـ"صفقة القرن".
وبين أن السياسة الأمريكية ترغب في كيان فلسطيني لا دولة، وكونفدرالية مع الأردن ومصر، وإنهاء مشكلة اللاجئين وتوطينهم، مع التأكيد على يهودية (اسرائيل)، في سبيل إحلال تسوية شاملة في المنطقة.
تقلبات تمهيدية
ويرى المحلل السياسي عبد الستار قاسم، أن كافة التغيرات والتقلبات الإقليمية تهدف بشكل أساس إلى تصفية القضية الفلسطينية بما يصب في إطار صفقة القرن، من خلال إبراز حلف عربي "معتدل وفق المفهوم الأمريكي" يقيم علاقات مع الاحتلال الاسرائيلي وينبذ المقاومة.
وقال قاسم لـ"الاستقلال": "يمكن الربط بشكل كبير بين إجراءات رئيس السلطة محمود عباس بحق غزة وحماس والحصار الخليجي لقطر من جهة، وتمهيد الطريق لصفقة القرن من جهة أخرى".
وأوضح أن إجراءات عباس ضد غزة، لا تهدف مطلقاً لدفع حماس نحو المصالحة، إنما للتخلص من مسؤوليات غزة ولدفعها نحو مصر لحل مشاكلها الاقتصادية الأمر الذي يجعلها مرتبطة سياسياً واقتصادياً بالأوضاع المصرية .
وأضاف قاسم: "إن ما يجري يهدف إلى الوصول إلى حل الصراع عن طريق إقامة كيان فلسطيني سياسي (وليس دولة فلسطينية) يضم غزة والضفة الغربية، فيما ستكون غزة مرتبطة اقتصادياً بمصر، وربط الضفة اقتصادياً بالأردن لصعوبة الربط الجغرافي بين غزة والضفة".
وبدأت إجراءات السلطة، بخصم الحكومة بين 30 و50% من رواتب موظّفيها في القطاع في 4 نيسان/أبريل، تبعها وقف مساعدات اجتماعية لـ 630 عائلة في القطاع، ووقف مئات التحويلات من مرضى السرطان في غزّة للعلاج في مستشفيات القدس أو المستشفيات الإسرائيليّة، ومصادقة الرئيس عبّاس على قانون التقاعد المبكر، الذي سيشمل جميع الموظّفين العسكريّين في القطاع والمقدّر عددهم بـ35 ألف موظّف. واحدثها قطع رواتب 277 أسيراً محرّراً من حماس جلّهم من القطاع، ووقف دفع مستحقّات كهرباء القطاع إلى (إسرائيل).
وبيّن قاسم أن الوصول إلى هذا الكيان الفلسطيني سيسبقه تنازل فلسطيني عن مساحة متفق عليها من الضفة لصالح المستوطنات، لقاء حصولها على أراضٍ في سيناء على حدود غزة، فيما ستحصل مصر مقابل أراضي سيناء على أراضٍ متكافئة من النقب الصحراوي.


التعليقات : 0