غزة/ دعاء الحطاب:
داخل بيوتهم المُحصنة، كان الأطفال يختبئون في أحضان أمهاتهم كونها المكان الأكثر أمامناً من صواريخ الطائرات الإسرائيلية التي تجوب سماء قطاع غزة، وتختار بدقة أكثر الأحياء المكتظة بالسكان لتُحولها إلى رُكام وتُطفئ زينتها الرمضانية، دون أن يُدرك عقلهم الصغير أن شظاياها يُكمن أن تطالهم أينما ذهبوا، وأن تحولهم بلحظة إلى رقم يمر سريعاً أمام شاشات الفضائيات.
فجأة، ودون ذرائع أو مقدمات تحذيرية، تجاوزت الطائرات الاسرائيلية حدودها بضرب منازل المواطنين وأماكنهم الأمنة بصواريخ حربية مُحرمة دولية، ولم تكتفيِ بذلك بل استهدفت الأطفال والاجنة في بطون امهاتهم قبل أن ترى بصيص النور أو تفقه معاني الحياة، ضارباً بعرض الحائط كافة القوانين والأعراف الدولية.
ولم يتوقف مسلسل الجرائم الإسرائيلية، بحق الشعب الفلسطيني منذ عقود طويلة، فقد عملت سلطات الاحتلال، على تنفيذ أبشع جرائمها بحق الأطفال والنساء والرجال، وكان آخرها استشهاد سيدتين حوملين في العدوان الأخير على غزة.
وأسفرت جولة التصعيد الإسرائيلية الاخيرة على قطاع غزة عن 27 شهيداً منهم (4 سيدات و2 أجنة و رضيعتان وطفل ) و اصابة 154 مواطناً بجراح مختلفة ، وفقاً لإحصائية وزارة الصحة بغزة.
واعتبرت وزارة الصحة أن استهداف الاحتلال الإسرائيلي للنساء الحوامل والاجنة في احشائهن انما يعكس حجم الاجرام والعداء لمعاني الحياة، مؤكدة أن استهداف المحتل للحوامل يستوجب مواقف واضحة وحازمة من المؤسسات الأممية المعنية بحماية المرأة والسيدات الحوامل.
ويذكر أن الشهداء هم:" فلسطين أبو عرار وجنينها عبدالله ورضيعتها صبا 18 شهر، أماني المدهون وجنينها أيمن، الرضيعة ماريا الغزالي 4 شهور، الطفل عبد الرحمن أبو الجديان 12 عاماً"
جريمة حرب
أكد مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية «مسارات» في غزة، صلاح عبد العاطي، أن استهداف الاحتلال الإسرائيلي للأطفال والنساء الحوامل والأجنة في أحشائهن جريمة حرب مُكتملة الأركان، وانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية التي تنص على حماية الطفل والمرأة وحقهما في الحياة.
وأوضح عبد العاطي خلال حديثة لـ"الاستقلال"، أن عدم تعرض إسرائيل للمحاسبة والمحاكمة الدولية والصمت الدولي ضد ما ترتكبه من جرائم حرب بحق الأطفال والمدنيين، ومُساوة الضحية بالجلاد، يُشجعها على اقتراف المزيد من الجرائم بحق الشعب الفلسطيني وقتل المدنيين بدمٍ بارد.
وشدد على ضرورة وقف المُجتمع الدولي لسياسية ومؤامرة الصمت عن جرائم الاحتلال الذي عودنا دائماً على التنكر من كافة الالتزامات والاتفاقيات الدولية، والتحرك الجاد لمحاسبته وضمان عدم إفلات قادته من العقاب، من أجل حماية الأطفال والنساء الفلسطينيين خاصةً والمدنيين بشكل عام.
ونوه الى أن السبيل الوحيد أمام المجتمع الفلسطيني لوقف جرائم الاحتلال ضد الأطفال والمدنيين، هو استعادة الوحدة الوطنية في إطار استراتيجية تقوم على إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي واستخدام كافة الهوامش التي أتاحها انضمام دولة فلسطين إلى الأمم المتحدة، وتفعيلها من أجل تعظيم الاشتباك السياسي والدبلوماسي والكفاحي ضد الاحتلال.
رسائل عدة
وبدوره يرى الخبير في القانون الدولي عبد الكريم شبير، أن استهداف الاحتلال للأطفال والأجنة الفلسطينيين جريمة ضد الإنسانية تعكس حالة الكراهية والحقد والاجرام التي يعيشها قادة جيش الاحتلال، مؤكداً أنها رسائل للشعب والمُقاومة الفلسطينية.
وبين شبير خلال حديثة لـ"الاستقلال"، أن رسالة الاحتلال للشعب الفلسطيني تتلخص بـ" بحرق قلوب الآباء والأمهات على أطفالهم" بهدف إرهاب المواطنين في قطاع غزة وعزفهم عن فكر المُقاومة، أما رسالته للمُقاومة أنه سيُمعن بقتل المدنيين والأطفال ولن يعير اهتماماً للقوانين الدولية واتفاقيات حقوق الانسان، وذلك لردع المُقاومة عن التصدي لهم أو توجيه أي رد لجرائمهم.
وأكد أن قادة الاحتلال الإسرائيلي يعشقون قتل الأطفال الفلسطينيين، مستشهداً بمقولة رئيس وزراء "إسرائيل" سابقاً أرئيل شارون:" اذا أردت أن أقتل40 طفلا فلسطينياً، فعلي أن أطفئ 40 شمعة".
وأوضح أن دور المحكمة الجنائية الدولية بمُلاحقة ومُحاسبة قادة الجيش الإسرائيلي الذين يرتكبون جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني، تراجع بشكل ملحوظ بعد التهديدات الأمريكية من "دونالد ترامب" والمسؤول الأمني القومي الإسرائيلي التي وجهت لها، من فرض الإقامة الجبرية على مُوظفيها والقضاة والنيابة التي تتعامل معهم وحجز أموالهم ومُعاقبتهم أمام القضاء الأمريكي في حال تعاطت مع الدعاوي الفلسطينية.
ولفت إلى ضرورة أن تتحرك القيادة والسلطة الفلسطينية من خلال خطة استراتيجية، لتكشف حقيقة موقف القضاء الدولي والمحكمة الجنائية تجاه جرائم الاحتلال ضد أبناء شعبها، عما إذا كانت مصرة أو راغبة بمحاكمة مجرمي الحرب أما أنها أصبحت محكمة سياسية تعمل وفق ما تمليه عليها الإدارة الامريكية و الكيان الصهيوني.
وشدد على أن المقاومة الشعبية والعسكرية الخشنة، وعدم التطبيع ووقف العلاقات مع الاحتلال، وتفعيل العمل الدبلوماسي من خلال السفارات وكشف جرائم الاحتلال إلى المجتمع الدولي، إضافة لتفعيل القانون الدولي بشكل نزيه وكسلاح قوي لمُلاحقة مجرمي الحرب، مجتمعة ستعمل على تحديد وتحجيم جرائم الاحتلال ضد الأطفال والنساء الحوامل والميدنيين الفلسطينيين.


التعليقات : 0