الأسرى في رمضان.. ذكريات مؤلمة وأهالي يفطر قلوبهم الشوق

الأسرى في رمضان.. ذكريات مؤلمة وأهالي يفطر قلوبهم الشوق
الأسرى

غزة/ دعاء الحطاب:

في الوقت الذي يستمتع فيه الصائمون في مشارق الأرض ومغاربها بلم الشمل مع عائلاتهم حول موائد الإفطار، والسعادة تغمر الأجواء، يغيب هذا المشهد عن أُمهات الأسرى الفلسطينيين اللواتي يتجرعن لوعة الفراق وتعتصر أفئدتهن شوقاً لرؤية فلذات أكبادهن خارج السجون الإسرائيلية.

 

ويشق شهر رمضان المُبارك طريقه بقلب والدة الأسيرة مرح بكيرات، فتستذكر " طفلتها المُدللة" بحرقةٍ ومرارةٍ مُضاعفة تتجدد صورها مع كُل لُقمةٍ تتناولها دون أن ترى عينها "فلذة كبدها" جالسةً أمامها على مائدة الإفطار، ليبقي دُعائها وأملها الوحيد أن يُفك أسرها بصفقة "تبادل أسرى" قريبة تُعيدها لأحضانها بعد فراقٍ أكثر من أربعة سنوات.  

 

رمضان حزين

 

داخل منزل الأسيرة في بلدة بيت حنينا شمال القدس المُحتلة، جلست الوالدة وحولها أبنائها على طاولة الطعام، فيما بقي كُرسي" مرح" فارغاً تحضره ذكرياتها بدلاً منها.

 

وتقول بكيرات لـ"الاستقلال":" بشهر رمضان الناس كُلها بتكون مبسوطة ومجتمعين حول سفرة  السحور والافطار، لكن أحنا بالنسبة النا رمضان مُناسبة بتزيد مُعاناتنا وشعورنا بفقدان مرح".

 

وبصوت خنقته الدموع، تتابع:" رابع رمضان يُمر علينا بدون مرح، كل ما يثبت هلال رمضان تبدأ أوجاعنا بغيابها وتنعدم فرحتنا فيه، نفتقدها على طاولة السحور والافطار، نفتقدها بكل لحظة" مُضيفةً:"  ما بقدر أكل أو استمتع فيه لأنه بنتي محرومة منه، بشعر بالوجع والذنب عندما أحضر أكلات كانت مرح بتحبها ومحرومة منها".

 

وتستذكر جمال رمضان قبل اعتقال طفلتها:" كان رمضان له طعم مميز بوجود مرح، كانت رغم صغر سنها تشارك معي بتحضر الطعام، ودائما بتحب تعمل المُعجنات والسمبوسك والشوربات، كانت تُصر على صلاة التراويح معي بالمسجد، لكن للأسف الاحتلال حرمنا وحرمها من كل أشي بنحبه، رمضان صار حزين بعد اعتقالها".

 

وأكثر ما يُصبر "بكيرات" على اعتقال فلذة كبدها، أن يُفرج عنها ضمن صفقة تبادل أسرى قريبة، تضع حداً للوعتها وتجمعها مع ابنتها على مائدة إفطار واحدة، وتعيد للأسرة من جديد نكهة رمضان الجميلة، قائلة:" طول الوقت أدعي الله أن يجعل الفرج قريب، وأملنا كبير بأن تكون صفقة قريبة حتي يعود كُل الاسرى لذويهم، وبتمني أنه يكون أخر رمضان فيه مرح بعيدة عنا".

 

ألم ومُعاناة

 

داخل بيتها المُتواضع، تجلس والدة الأسير ضياء الأغا أمام صورته المُعلقة بصدر البيت، تُقلب عيناها بين ملامحة الغائبة خلف سجون الاحتلال تارةً، لتصدم بعد ثوانٍ معدودة أن ملامحه ثابته لم تتغير منذ 27 عاماً، وأخرى تسأله:" يما شو تحسرت اليوم؟ شو كان فطورك؟، أكلت القطايف اللي بتحبه؟" حتى تبقي الإجابة الوحيدة محصورةً بدموع عينيها وحُرقة قلبها.

 

بألم يعتصر قلبها، تقول الأغا لـ"الاستقلال":" ضياء اله 27 سنه بعيد عني داخل السجن، ما بشعر بطعم رمضان ولا بفرحة عيد أو أي شيء بغيابه، لما بأعقد على السفرة أنا وخواته وهو مش موجود بشعر أنه قلبي بتقطع عليه، وبتمني يكون معنا".

 

واردفت بحسرة:" أنا مريضة ووضعي صعب، الله يعلم متي راح أشوف ابنى، فهو محكوم مدى الحياة ولا يُوجد موعد لخروجه، الا اذا الله أفرج عنه بصفقة"، مستدركة:" نفسي أشوفه وأفرح عليه، أمنيتي الوحيدة اشوفه داخل عليا برمضان أو العيد، ضياء هو كُل أبواب الفرحة بالنسبة لي".

 

وأضافت:" الأسرى داخل السجون محرومين من أدني حقوقهم الإنسانية لهيك دايماً قلوبنا عندهم، بنفكر فيهم بكل لحظة، بنحكى مع صورهم على أمل يقولونا شو تسحروا و شو أفطروا؟ هما بخير ولا لاء؟ مع اني متأكدة أنهم مش بخير".  

 

جمال أجواء رمضان بروحانيته وطقوسه فقدتها أم ضياء، كما فقدت وجه نجلها وطبعته المُميزة بكافة المُناسبات الدينية، حتى أنها منعت إدخال القطايف لبيتها أو تناوله منذ اعتقاله قبل 27 عام.  

 

وتتابع بحسرة: "رمضان كان مميز مع ضياء، كان دايما يروح معي على السوق نشتري مستلزمات واحتياجات رمضان، كان دايماً يشتري أول واحد ملابس العيد ويُصر عليا أختارهم اله، كان مميز عن أولاي بكل شيء، كان يحب يعمل القطايف بأيده، يقوم أول واحدة عن الفطرة عشان يساعدني، لكن يا حسرة قلبي ضاع كل عمره بالسجن وحرموني منه".

 

بدموعٍ تملئ وجنتيها، قالت:" أنا بطلت أدخل القطايف ببتي وحرمته على نفسي، لأنه ضياء كان يحبه كتير وانحرم منه، وكل ما أشوف القطايف أغمض عينا ما بقدر أشوفه لأنى بتذكر ضياء".

 

ظروف مأساوية

 

وبدوره، أكد تامر الزعانين الناطق الإعلامي لمؤسسة مُهجة القدس، أن الأسري الفلسطينيين يستقبلون شهر رمضان بظرف مأساوية بعد خروجهم قبل أسابيع قليلة من معركة إضراب عن الطعام، وتدهور الحالة الصحية لعدد منهم، عوضًا عن الانتهاكات المستمرة بحقهم، وتضاعف معاناتهم حيث يكابدوا ألم السجن ولوعة الفراق لذويه.

 

وأوضح الزعانين لـ"الاستقلال"، أن الاحتلال مع بدأ شهر رمضان، لم يسمح للأسري بأداء الصلوات بوقتها وحرمانهم من تلاوة القرآن وصلاه التراويح بجماعه، إضافةً لعدم توفر الطعام المُناسب لهم وتأخير وجبة الإفطار أو تقديمها قبل ساعات من أذان المغرب، ناهيك عن مُعاناتهم من الفراق والبعد عن الأهل والاجتماع معهم على وجبتي السحور والإفطار. 

 

وبين أن إدارة "الدامون" صعّدت بشكل مقصود خلال هذه الأيام من إجراءاتها الاستفزازية بحق الأسيرات، مشيراً إلى أن إدارة السجن تعمدت تضييق الخناق عليهن، ووضع العديد من العراقيل للتنغيص عليهن، فلم تسمح لهن بالصلاة الجماعية في ساحة القسم أو القيام بحلقات تثقيفية ودينية، كما أنهن حُرمن من تلاوة القرآن الكريم بشكل جماعي، وتم السماح لهن فقط بأداء الشعائر الدينية بشكل فردي.

 

ونوه إلى أنه بالرغم من الخطوات الاحتجاجية التي قامت بها الأسيرات لإزالة كاميرات المراقبة التي تنتهك خصوصيتهن، إلا أن إدارة السجن لم تكترث لهن، فما زالت الكاميرات مثبتة بساحة "الفورة" حتى الآن، ما يُجبرهن على البقاء بملابس الصلاة، وبالتالي حرمانهن من الاستفادة من أشعة الشمس، إضافة إلى معاناتهن من حملات التفتيش والاقتحامات المستمرة لغرفهن دون أي مبرر، وتقليص ساعات الفورة التي أصبحت 4 ساعات متفرقة لا تكفي للقيام بأي نشاط يُذكر.

 

وطالب الجهات الحقوقية والدولية بضرورة التدخل وفضح هذه الممارسات اللاإنسانية بحق الاسري والأسيرات، ووضع حد للعراقيل التي تفرضها إدارة سجون الاحتلال بحقهم والتي تجعل من حياتهم داخل الأسر لا تُحتمل.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق