في ذكرى الـ71 للنكبة

"مليونية العودة" تتزين بالتراث الفلسطيني

فلسطينيات

 

غزة/ دعاء الحطاب:

"أعلامٌ فلسطينية تُلوح بالأفق، أناشيدٌ وطنية ألهبت حماس المُشاركين، شيوخٌ يحملون مفاتيح العودة، نساءٌ يتزين بأثوابهن المُزخرفة بخيوط الحرير الحمراء، أطفالٌ وشبان تتزين أعناقهم بالكوفية وبأيديهم صور المُدن الفلسطينية التي هُجر أصحابها قسراً منها"، هكذا تزينت مُخيمات العودة الخمسة على الحدود الشرقية لقطاع غزة ،إحياءً لذكرى النكبة الـ71.

 

كما شهدت مخُيمات العودة أنشطة وفعليات كثيرة يُعبر كل منها عن أسلوبٍ جديد بالمُطالبة بحق العودة للأراضي المُحتلة، ورفضاً لكافة المؤامرات الامريكية الاسرائيلية الرامية لتصفية القضية الفلسطينية وتمرير صفقة القرن، فهناك من لجأ للدحية والدبكة الفلسطينية وإلقاء الشعر، ومنهم من قدم خدماته مجاناً للمشاركين وتزويدهم بالماء والمشروبات الباردة، ونسوة أخذن على عاتقهن اعداد أطيب الطعام للمشاركين وغيرها الكثير.

 

وشاركت الحشود في مليونية العودة التي دعت إليها الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار بمناسبة الذكري الـ71 للنكبة الفلسطينية، اذ أظهرت مُشاركتهم الواسعة مدى الالتفاف الجماهيري حول خيار العودة إلى أراضيهم التي هجروا منها وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

 

وقوبلت تلك المشاهد الفلسطينية، باستخدام القوة من قبل الجنود الاحتلال المُتمركزين خلف التلال الرملية، حيث أطلقوا الرصاص الحيّ والمطاطي باتجاه المتظاهرين، إلى جانب استهدافهم برشقات متتالية من قنابل الغاز المسيل للدموع، عبر البنادق والراجمات، إلا أن ذلك لم يمنع الجموع من مواصلة أنشطتهم وفاعلياتهم السلمية، والتقدم نحو خطوط التماس.

 

ترسيخ حق العودة

 

لم يتنظر الحاج أبو على سالم (74عاماً) الحافلات التي تقل المُتظاهرين إلى مخيم العودة وكسر الحصار بمنطقة ملكة شرق حي الشجاعية قرب السياج الفاصل مع الأراضي المحتلة 1948، حتى امتشق عكازة واستقل سيارة أجرة لتوصله الى المُخيم قبل ساعات من بدء فعليات مليونية العودة في ذكري النكبة71.

 

وبمجرد أن وصل سالم برفقة أبنائه وأحفاده إلى مخيم العودة، بدأ يُحدثهم عن حُلمه بالعودة لبلدته الاصلية "يافا" التي مازالت راسخة بقلبه وعقله حتى مع مرور 71عاماً على التهجير، وتارة أخرى ينضم برفقتهم لجوار مئات الآلاف الذين احتشدوا بعائلاتهم قرب السياج الفاصل رافعين الأعلام الفلسطينية، ويرددون شعارات مطالبة بحق العودة.

 

ويقول سالم بصوته المُرتجف خلال حديثة لـ"الاستقلال":" بهذا اليوم احنا تهجرنا من أرضنا بالقوة، ظننا نرجع بعد أسبوع أو أسبوعين، واليوم النا 71سنه بنستنا نرجع، ومهما طولت هجرتنا ما راح ننساها".

 

ويتابع بحرقة:" اللي تهجر من أرضه بالغصب وذاق العذاب بكل أشكاله، واللي شاف أرضه قبال عينه والعدو يدمر فيها ويسرق خيرها وهو نفسه يلمس ترابها، كيف بدو ينساها؟ كيف ما يتمني أنه يرجع الها؟".

 

وأضاف:" مسيرات العودة أملنا الوحيد لنحقق حلم العودة، لذا أشارك منذ انطلاقها بكافة فعالياتها"، مستدركاً: "مشاركتي أنا كرجل مسن مهمة للغاية، في ترسيخ حب الأرض وحق العودة لأحفادي وزرع أهمية الأرض في قلوبهم".

 

واستكمل حديثه:" منذ الصباح كنا متجهزين للمشاركة في مليونية العودة، وجميع أفراد العائلة أصروا على الذهاب إلى مخيم العودة، ولم ننتظر الحافلات التي تنقل الناس، بل صعدنا بسيارة اجرة وأوصلنا إلى ملكة ككل جمعة".

 

وأوضح أنه تفاجئ بحجم المشاركة الكبيرة من قبل الجماهير، والعائلات الفلسطينية بأكملها، فلم يكن هناك متسع في مخيم العودة بمنطقة ملكة .

 

مُستمرون حتى الموت

 

وفي ميدان العودة شرق مخيم البريج، يجلس الشاب مهند النمروطي( 18عاماً) مُتوشحاً باللباس الفلسطيني التراثي، وخنجرٌ على خصره، بجوار عدد من الجرحى الذين اصطفوا على شكل نصف دائرة وأمام كلاً منهم عُكازاً بات قدمهم بعد بترها برصاصات الاحتلال خلال مُشاركاتهم السابقة بمسيرات العودة.

 

ومنذ اللحظات الأولى لوصول "النمروطي" إلى مخيم العودة، التف حوله عشرات المشاركين بالمليونية، قبل بدء فعالياتها الرسمية، إذ شد انتباههم مشهد اصطفاف الجرحى ولباسهم الفلسطيني والكوفية التي تُزين أعناقهم، والأعلام التي تلوح بجوارهم، واصرارهم على المُشاركة رغم بتر أقادمهم.

 

الشاب "النمروطي" الذي بترت قدمة إثر إصابة برصاص متفجر في14مايو/أيار العام الماضي، يقول لـ"الاستقلال":" الاحتلال تعمد إصابة أجسادنا كي نتراجع عن حقنا بالعودة إلى أراضينا المسلوبة، دون أن يعلم أن الشيء الوحيد الذي يمنعنا من الدفاع عن أرضنا هو الموت،  فنحن مستمرون في مسيراتنا حتي تحقيق اهدافنا مهما اشتدت الآلام والأوجاع علينا".

 

وعن اصراره على المشاركة بالمسيرة رغم بتر قدمه، أضاف:" مُشاركتي اليوم بالمسيرة من أجل اصال رسالة لقادة الاحتلال الذين راهنوا يوماً على أن الكبار يموتون والصغار ينسون، أننا مازلنا مُتمسكون بأرض أجدادنا ولن تنازل عنها حتى أخر قطرة دم فلسطينية، والتأكيد على أن الشباب الغزي جميعهم لن يتركوا المسيرات إلا بتحقيق كسر الحصار الذي سلب حياتهم".

 

" بدنا نستعيد حقوقنا"

 

لم تقتصر مسيرات العودة منذ بدايتها على مشاركة الرجال والشباب، فكان للنساء دور فاعل ومشهود، فالخنساء الفلسطينية سجلت مواقف تحسب لها، ويقف الإنسان أمام عظمتها صاغرًا، فتتنوع أدوارها بتقديم الدعم بكافة أشكاله.

 

فداخل مُخيم العودة بمنطقة خزاعة شرق خانيونس، كانت الشابة فداء الأسطل" 28عاماً" تتقدم الصفوف الأولى بثوبها المُطرز، تحمل في يديها الماء البارد توزعه على الشباب الثائرين عند السياج الفاصل شرق القطاع.

 

ولم يمنعها سطوة جنود الاحتلال ولم تكن قنابل الغاز عائقاً لها، فهي شقيقة لمُصاب في مسيرات العودة لم يثنيها اصابته عن المُشاركة وتقديم العون للمشاركين، بل كانت إصابته وقودًا لها يدفعها نحو حماية زملائه الثائرين بما تستطيع.

 

تقول الاسطل لـ"الاستقلال:" الجميع يعلم أنّ المسيرات سلمية، لذلك كانت مشاركة الأسر بنسائها وأطفالها على أعلى مستوى، لكن كان من المعيب في حقنا أن يصاب أشقاؤنا والشبان أمامنا، ونكتفي بالمشاهدة من بعيد، وكان لابدّ للمحتل أن يعرف من الشابة والمرأة الفلسطينية".

 

وأضافت:" في بداية المسيرات كانت مُشاركتي فقط بالحضور وترديد الشعارات المُطالبة بحقوقنا المسلوبة، لكن بعد اصابة شقيقي أصبحت أحمل صندوق ماء بارد وأتوجه إلى المقدمة، بالقرب من الشباب الثائرين، وأوزع عليهم الماء، لأكون اليد المساعدة لهم".

 

وبنبرة صمود أوضحت، أن المرأة الفلسطينية سند للشباب الثائرين والمجاهدين، تُشارك بالمسيرات للمطالبة بحق العودة، مستدركة:" نحن شعب مضطهد، شعب لديه حقوق، شعب لديه كرامة يجب أن يستردها، نريد استعادة حقوقنا ممن سرقها رغمًا عنا، ولنا أراض سرقت بالقوة منا يجب أن نرجع إليها، لهذه الأسباب وغيرها أشارك في مسيرة العودة ولن أتنازل أو أيأس أبدًا".

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق