غزة/ دعاء الحطاب
بابتسامةٍ حانية وعيون ترنو الى قبته الذهبية، تقف المبعدة هنادي الحلواني أمام بوابات المسجد الأقصى تُراقب حركة المرابطين والمُصلين داخل باحاته المُزينة بالإضاءات الرمضانية، وحينما يتعذر عليها الرؤية تفتح عدسة كاميراتها المُتواضعة لعلها تُقرب المشاهد إليها وكأنها بداخله، فيما يقف خلفها عشرات الجنود الإسرائيليين يُراقبون تحُركاتها أملاً باقتناص فرصةً تُمكنهم من ازاحتها داخل السجون.
ومع توقف عقارب الساعة نحو السابعة مساءً، بمنطقة تتمة طريق المُجاهدين المُطل على مأذنة باب الأسباط، تفترش الحلواني الأرض وتبدأ بتجهز مائدة افطارها بأشهى المشروبات والمأكولات الفلسطينية، برفقة عشرات المُرابطين والمُصلين استعداداً لسماع الأذان وبدء تناول افطارهم بأجواءٍ رمضانية رائعة تُدخل في نفوس مشاهديها البهجة بقدسية المكان رغم مضايقات الاحتلال لهم.
"الحلواني" المبعدة عن المسجد الأقصى منذ ما يقارب خمس سنوات، أحدى المُرابطات اللواتي يُقاومن سياسة الابعاد الإسرائيلية بحقهن والهادفة لإقصاء دورهن أو احباط نشاطهن داخل أولى القبلتين وثالت الحرمين أو خارجه، فأمام أبواب المسجد والطُرق المؤدية إليه، يقمن بنشاط بارز في تحفيز المصلين بالتوافد والرباط داخل باحاته والمكوث فيه عقب أداء الصلاة المكتوبة.
نتحدى الابعاد
وتقول الحلواني خلال حديثها لـ"الاستقلال:" الاحتلال يمنعني من دخول الأقصى للسنه الخامسة على التوالي، ففي عام 2015 كان الابعاد الأول وتبعته سلسلة من قرارات المنع كان أخرها بشهر فبراير هذا العام لمدة سنة كاملة بناءً على قرار ما يسمى "قائد لواء منطقة القدس".
وتتابع:" قبل انتهاء مدة المنع بأربعة أيام يقتحم الجنود منزلي ويتم الاعتداء على بالضرب و من ثم أخذي لمركز الشرطة، كتحذير من دخول الأقصى قبل انتهاء الابعاد الى حين تسلمي قرار تمديده"، مُشيرة الى أن مجموع الأيام التي تمكنت فيها مندخول المسجد الأقصى خلال خمس سنوات الماضية لا تتجاوز الشهر.
ورغم سياسة الاحتلال القهرية مع الحلواني من تهديد بالسجن والابعاد والمنع من دخول المسجد الأقصى، الا انها تواصل الرباط على أبوابه، وتُوصل رسالتها للعالم عبر مُشاركتها الإعلامية ونشاطها على مواقع التواصل الاجتماعي، غير أنها تروي شوقها للأقصى من خلال مشاركة طقوسها الدينة والرمضانية بطريقتها الخاصة.
بنبرة تحدٍ وصمود، أضافت:" الاحتلال يظن أنه سيقهرني بالإبعاد عن الأقصى وحُرماني من الصلاة بداخله، لكن أنا اتحدٍ قراره بطريقة قانونية، من خلال الصلاة على أبواب المسجد منذ سنوات، وعمل ولائم للصائمين، لمشاركة المرابطات المبعدات والأخوات القادمات من الداخل المحتل وتشجيعهن على الرباط"، مستدركة: "هو أبعد هنادي لكن رسالة هنادي وغيرها من المرابطات المبعدات وصلت لأخر العالم، عبر الوسائل الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي".
ونوهت الى أنها ومجموعة كبيرة من مرابطات المسجد الأقصى المُبعدات اتخذن منطقة تتمة طريق المُجاهدين، للرباط عليها، مُبينة أن الاحتلال يبعد عن المسجد الأقصى بشكل دائم ما يزيد عن 200 فلسطيني، وجل هؤلاء يصلون على أبواب الأقصى رغم ما يوجههم من معيقات قوات الاحتلال.
وأوضحت الحلواني أنها لم تُحاول نهائياً كسر قرار الابعاد الظالم، كونها تُدرك جيداُ أن الاحتلال ينتظر اللحظة التي تدخل بها المسجد وتكسر القرار ليعتقلها خلف القضبان لأشهر وسنوات، واجبارها على دفع الغرامات المالية، قائلة"انا فوتت عليه الفرصة ووصلت الرسالة من خارج المسجد أكثر مما لو كنت بداخله".
وأكدت أنها توصل رسالة للعالم أجمع من خلال رباطها على بوابات المسجد الأقصى مفادها:" أنا صاحبة الحق بالأرض والمسجد الأقصى، وسأدافع عنه بكل ما أوتيت من قوة، لا امتلك قوة السلاح لكنى أمتلك قوة عقيدة وايمان راسخ بأني صاحبة الحق"، فيما أوصلت رسالة للاحتلال مفادها:" لن نتنازل عن اقصانا، ولن نترك لك المجال لتجوب باحاته كما شئت".
متجذرون بالأقصى
ولا يختلف حال المُرابطة خديجة عويص عن سابقتها، فهي الأخرى لن تحظىبفرصةً لتروي شوقها للقبة الذهبية منذ عام 2018 بعدما منعها الاحتلال من دخول المسجد الأقصى، سوى الرباط على أبوابه و إقامة الصلاة برفقة عشرات المُبعدين بأجواءٍ روحانية إيمانية تفتقدها طيلة فترة ابعادها.
وتقول عويص خلال حديثها الاستقلال":" تسلمت قرار الابعاد الأخير عن الأقصى بتاريخ 22/8/2018، على خلفية الاحداث التي وقعت على باب الرحمة، وقبل انتهائه تم تمديده لـ22/8/2019، دون مراعاة حقنا بأداء الشعائر الدينية الخاصة بالمسلمين".
ولم يكن ذلك قرار الابعاد الأول الذي تتسلمه "عويص" من قبل قوات الاحتلال، فهو امتداد لسلسة قرارات منذ عام 2014، حيث تسلمت أكثر من 13 قرار ابعاد عن المسجد الأقصى، بعضها شملت الابعاد عن الأقصى والبلدة القديمة والضفة الغربية.
بغصة وألم، تتحدث عويص عن قسوة الإبعاد عن المسجد الاقصى:" الابعاد بحد ذاته قرار ظالم، لكن الأشد ظلم أن أكون مقدسية وأسكن بالقرب من الأقصى، وأُحرم من حقي بممارسة الشعائر الدينية بأكثر الأماكن قدسية خاصة بشهر رمضان".
وأضافت:" نحن تحدينا قرار المنع من خلال الصلاة على أبواب الأقصى خاصة باب الاسباط ، لنروي شوقنا للمسجد بقربنا منه، ولنوصل رسالة للاحتلال بأننا لن نجلس داخل بيوتنا وسنبقي شوكةً بحلقك حتى إن ابعدتنا سنبقى بأقرب نقطة للأقصى".
وأوضحت أن سياسات الاحتلال في التعامل مع المقدسيين تكشف وجهه الديمقراطي الزائف الذي يحاول إظهاره أمام العالم،" الاحتلال الذي يدعي الديمقراطية يمنع النساء اللواتي لا يمتلكن سلاحاً سوى التكبير من الدخول للمسجد، هو أبسط حقوقنا وتضمن وجودنا بهذا المكان المقدس".
وأكدت أن الاحتلال لا يُمكن مُجابهته وكسر جبروته الا من خلال التحدى والثبات والصمود، لذا سنبقى ثابتين بأرضنا ومتجذرين على أبواب أقصانا حتى أن أبعدنا الاحتلال لأبعد نقطة بالدنيا، فسنبقى بأقرب نقطة توصلنا اليه.


التعليقات : 0