غزة/ دعاء الحطاب:
تحت إحدى خيام العودة المنصوبة على الحدود الشرقية لمخيم البريج وسط قطاع غزة، وعلى الأضواء الخافتة المُنبعثة من فوانيس أبنائها الصغار، تطهو المواطنة أم فتحى عذارة أكلة "السماقية" على النار بسعادةٍ تُزين ملامحها، وبين الفينة والأخرى تُمعن عيناها النظر بالأراضي الفلسطينية المحتلة التي يفصلها عنها سياج احتلالي، ينتشتر خلفه قناصات جنود الاحتلال.
وما أن تدق الساعة السابعة مساءً، حتى تبدأ "عذارة" بسكب أطباق السماقية، فيما نشط أبنائها كخلية النحل لتوزيع الاطباق على العائلات والمتظاهرين الذين أرادوا أن يكون لرمضان طعمٌ خاص مُغمس بحلم العودة ورائحة البلاد التي لا تبعد كثيراً عن مكان جلوسهم.
وباتت مخيمات العودة على الحدود الشرقية لقطاع غزة في رمضان، قبلة لعشرات المواطنين الذين يتوافدون عليها للمشاركة بفعالياتها السلمية وتناول طعام الإفطار وأداء صلاة التراويح وقضاء سهرات رمضانية وحلقات دينية إلى منتصف الليل رغم المخاوف من قناصة الاحتلال.
طعم خاص
وتقول عذارة خلال حديثها لـ"الاستقلال":" منذ بداية مسيرات العودة اشارك انا وعائلتي بكافة فعالياتها، وقررنا المشاركة حتى بشهر رمضان حتى يكون الأجر مُضاعف و كذلك نستمتع بالأجواء الرمضانية المميزة بالقرب من بلادنا المحتلة"
وتتابع:" الاجواء الرمضانية الإفطار والتراويح والابتهالات جميعها لها طعم خاص داخل مخيمات العودة على الحدود، فهناك نتنسم رائحة بلادنا التى لم نرها الا بالصور، نشعر بأننا داخلها و نتذكر أحاديث اجادنا عنها وعاداتهم برمضان، كذلك نجدها مهربا من بيوتنا الضيقة وانقطاع الكهرباء"، مستدركة:" هنا كل شيء يفوق الخيال ولا يمكن وصفه رغم دموية الاحتلال وهمجيته في قمع المتظاهرين السلميين".
وأضافت:" داخل مخيم العودة شعرت بقيمة رمضان والاجواء الاجتماعية التي كان يتمز بها اهالي القرى والمدن المحتلة، فهنا كل واحدة من النساء تطهو الطعام لعائلتها وللعائلات المجاورة لها، ونتبادل أطباق الطعام مما يزيد المحبة والتكافل الاجتماعي بيننا"
وتصف عذارة موائد الافطار داخل مخيمات العودة: "نجلس أمام الخيام على هيئة سطور أو دوائر وتوضع امامنا الماء والتمر واطباق متنوعة من الطعام كوجبة افطار، ويباشر أحد الرجال بالدعاء والابتهال الى الله بأجواء روحانية مميزة حتى يُرفع أذن المغرب"، مضيفةً:" بعد الانتهاء من الافطار نصطف لأداء صلاة المغرب جماعة، ومن ثم تبدأ جلسات الذكر والدعاء لحين صلاة التراويح".
على اعتاب الموت
وليس ببعيد، نحو الحدود الشرقية لمخيم البريج، شكل عشرات الشباب على مرأى ومسمع جنود الاحتلال، حلقاتٍ لقراءة القرآن الكريم بأصواتٍ نادية تم اختيارها بعناية، للمساهمة في تعزيز صمود الموجودين في المكان وإضفاء أجواء رمضانية على أعتاب الموت، في ظل استهداف جنود الاحتلال للعديد من المشاركين في المسيرات السلمية.
ويقول الشاب أحمد جبر خلال حديثة لـ "الاستقلال":" إن مخيمات العودة في رمضان تنبض بالحياة الرمضانية رغم دموية الاحتلال وبطشه، حيث شكل الشباب حلقات لقراءة القران على مقربة من جنود الاحتلال، الامر الذي جعل وجوههم مُثيراً لغضب وقهر المحتل، كما يؤكد على مدي حبهم للوطن ومُجابهة اعدائه بأبسط الإمكانيات"
واستكمل حديثه :" طوال السنوات الماضية اعتدنا أن نجلس أمام المنزل قبيل أذان المغرب لقضاء وقت الفراغ، ولكن اليوم اختلف الحال، فمكان الجلوس أصبح هنا في مخيم العودة، على بعد مسافات قليلة من أراضينا المحتلة، وسط اجواء ايمانية في قمة الروعة وترتيل الآيات يمنحنا الطمأنينة، خاصة أننا أمام ثكنات العدو الصهيوني".
ويعتبر جبر، مجيء شهر رمضان المبارك بالتزامن مع استمرار مسيرات العودة، فرصة ذهبية للغزيين لمضاعفة الأجر والثواب، كونهم يجمعون بين فريضة الصيام والنضال في سبيل الله.
وأكد أنه ورفاقه قرروا الاستمرار في التظاهرات السلمية على الحدود، أيام الجمعة، فمن اعتاد على مقارعة المحتل من الصعب أن يبقى في بيته بحجة الصيام أو حرارة الجو، مشدداً على أن التظاهر برمضان هو رسالة للاحتلال بأن كل الظروف لن توقف هذه المسيرات، وأن شهر رمضان سيكون دعوة لتعزيزها.
الدراسة بالمخيمات
وفي مشهد آخر، كان الإرهاق واضحاً على ملامح طالب الثانوية العامة أحمد عودة، فقد استظل تحت شجرةٍ في أرضٍ واسعة بمخيم العودة شرق حى الشجاعية، يقرأ بتمعن بكتابه المدرسي " التربية الاسلامية"، وبجواره زُجاجة ماء يستخدمها لغسل وجهه حينما تباغته قنابل الغاز السام الإسرائيلية التي تخترق صفوف المتظاهرين.
ويقول عودة خلال حديثه لـ "الاستقلال":" كل يوم جمعة بعد أذان العصر أخذ كُتبي الدراسية واتوجه لمسيرات العودة كي أشعر بلذة الصيام واستطيع التركيز بدراستي بعيدا عن اجواء المنزل المملة والخانقة، فهنا بالمخيمات كل شيء له طابع مميز".
وأعرب عن مدى سعادته بالمشاركة بمسيرات العودة في رمضان، وتزداد سعادته حينما يشاهد ساحاتها مكتظة بالمتظاهرين وملامح التحدي والقوة تعلو وجوههم.
ونوه الى أن المساء يكون له طعم آخر داخل مخيمات العودة، بجمعة الأهل والأحباب والافطارات الرمضانية الجماعية، حين تشعل النار أمام الخيام، لتبدأ بعدها جلسات السمر على أنغام أناشيد العودة التي يحلمون بها، وينتهي اليوم بصلاة التراويح والأجواء الروحانية.
وشدد على أن مشاركتهم في المسيرات السلمية في رمضان، تأكيد على تمسكهم بحق العودة الى ديارهم ووفاءً لدماء الشهداء والجرحى الذين ضحوا بأنفسهم من أجل العودة، قائلا: " الصيام في رمضان فريضة، وطالب العلم فريضة، والنضال فريضة، لذا نحن مناضلون في سبيل الله وواثقون بقدرتنا على تحقيق أهدافنا دون أن نعتمد على أحد سوى الله سبحانه وتعالى".


التعليقات : 0