غزة/ دعاء الحطاب:
داخل إحدى مزارع الدواجن بمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، يقف أبو بلال عمران مكتوف اليدين، شارد الذهن، أمام دراجات "توك توك" والشاحنات الصغيرة التي تنقل آلاف الدواجن النافقة من مزرعته، ليلقى بها في مجمعات النفايات الصلبة، عقب موجة الحر الأخيرة التي ضربت القطاع خلال اليومين الماضيين.
"عمران" أحد أصحاب مزارع الدواجن الكبيرة بالقطاع، الذين نفقت لديهم آلاف الدواجن بأعمار مُختلفة، نتيجة ارتفاع دراجات الحرارة إلى ما يُقارب 48 درجة مئوية، تكبّد وغيره خسائر فادحة تُقدر بمليون ونصف دولار، بشكل أولي حسب وزارة الزراعة في بيان لها أمس السبت.
" تسونامي جارف"
ويقول عمران خلال حديثه لـ"الاستقلال": "اليومان الماضيان كانا من أصعب وأقسي الأيام علينا كمزارعين ومربي دواجن، فدرجات الحرارة وصلت داخل المزرعة لـ48 درجة مئوية، ما أدى إلى نفوق آلاف الطيور وكبّدني خسائر كبيرة جداً".
ووصف موجة الحر الأخيرة التي ضربت غزة منذ يومين، بـ" تسونامي حارق جارف"، أدى إلى نفوق أكثر من 20% من أعداد الدواجن بمزرعته التي تضم نحو 15ألف طير، فيما يُقدر متوسط الخسارة المادية ما يُقارب 30 ألف شيكل.
وأشار إلى أن العشرات من المزارع أصابها ما أصاب مزرعته، خاصة المزارع التي تضم طيورا أعمارها تزيد قليلا عن 20 يوماً، كونها الأكثر عرضة للنقوق وأقل تحملاً لدرجات الحرارة العالية.
وأوضح أن علمهم المُسبق بوصول موجة الحر، والإجراءات الاستباقية التي اتخذوها، لم يمنع حدوث الكارثة، فرغم رش المياه، واستخدام كافة الطرق المُمكنة لتخفيف الحرارة، إلا أن عملية النفوق كانت واسعة وسريعة، بلغت ذروتها يوم الجمعة الماضية.
ونوّه إلى أن الكارثة التي أصابت مزارعي الدواجن ليست الأولى وربما لن تكون الأخيرة مع ذهابنا باتجاه فصل الصيف، ففي وقتٍ سابق تكبد خسائر تُقدر بـ34 ألف دولار، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، إلا أن هذه المرة ستكون آثارها سلبية بشكل أكبر على المُزارعين خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يُعاني منها القطاع.
وطالب عمران، وزارة الزراعة والجهات المعنية بالوقوف إلى جانب أصحاب المزارع وتعويض خسائرهم، كي يتمكنوا من الاستمرار في عملهم، وسداد ديونهم التي قد تدفعهم لإغلاق مزارعهم أو تزجّ بهم داخل السجون.
كارثه حقيقية
ولم يكن المزارع إياد صرصور أفضل حالاً من سابقه، فأضرار موجة الحر المذكورة كانت أشد وطأةً عليه وألحقت به خسائر فادحة تُقدر بآلاف الشواكل نتيجة نفوق عدد كبير من الدواجن بمزارعه الأربع التي يمتلكها.
وبصوتٍ حزين، يقول صرصور خلال حديثه لـ"الاستقلال":" موجة الحر نكبتنا وكسرت ظهرنا، رزقنا كان يروح من بين يدينا واحنا مش عارفين شو نعمل، أنا عندي أربع مزارع دجاج كل واحده فيها 15 ألف طير، نفق منهم ما يُقارب 6000 طير بأعمار مختلفة.. كارثه حقيقة أصابتنا".
وأضاف بألم:" الحرارة التي شهدناها خلال اليومين الماضيين لم تمر علينا منذ 6سنوات، فقد وصلت لـ50 درجة في بعض المزارع، الأجواء الخماسينية لا يُسيطر عليها مياه ولا رشاشات ولا أي وسيلة، ما كان بأيدينا عمل أي شيء، كنا نراقب موت الطيور بعيوننا والحسرة تملأ قلوبنا".
وأوضح أن تربية الدواجن تُكلف مبالغ هائلة جداً، اذ تُقدر تكلفة شراء أطان الأعلاف والأدوية لـ15 ألف دجاجة من عمر يوم أو اثنين لحين تكبر بمبلغ 300 ألف شيكل، فضلاً عن آلاف الشواكل التي يُنفقها ثمناً لـلتدفئة، وأجور العمال، ووسائل النقل، وغيرها".
وأكد أن عمليات النفوق الكبيرة والتي تعد الأوسع منذ 6 أعوام، سيكون لها آثار سلبية سيئة، ستظهر على الأسواق خلال الأسابيع المقبلة، عبر ارتفاع أسعار الدواجن، مشيراً إلى أنه دون تدخل الجهات المعنية، ومنح المزارعين والمربين تعويضات مناسبة، فإن الوضع سيكون صعبا بالنسبة لهم ولن يتمكن معظمهم من العودة للتربية من جديد.
خسائر هائلة
وبدوره، أكد وكيل وزارة الزراعة إبراهيم القدرة، أن المرتفع الجوي الأخير تسبب بخسائر هائلة لمُربي الدواجن بمُختلف الفئات (اللاحم ، البياض، الحبش و الأرانب)، نتيجة نفوق أعداد تصل لـ100 ألف طائر، تُقدر قيمتها بنصف مليون دولار، وذلك بشكل أولي.
وقال القدرة خلال حديثه لـ"الاستقلال"، أن طواقم الوزارة " المُهندسين الفنيين، الأطباء البيطريين، وموظفي الارشاد، وغيرها" منذ يوم الخميس الماضي وحتى اليوم، مازالت مُنتشرة ميدانياً بين مربي الدواجن على طول قطاع غزة، وذلك لتقديم المساعدة والإرشاد لتخفيف وحصر أضرار المُرتفع الجوي، والذي بدأ في الانحسار أمس.
وأضاف: "موجات الحرارة الفُجائية لا تُوقفها الارشادات ولا التعليمات، لكننا بقدر الإمكان نحاول تخفيض درجات الحرارة الى أدنى حد وإنقاذ أعداد كبيرة من الطيور، منوهاً إلى أن حجم الاضرار يختلف من مزرعة إلى أخرى بحسب مدي التزام المربي بتنفيذ تعليمات الوزارة".
وفيما يتعلق بإمكانية ارتفاع أسعار الدجاج بعد هذه "الكارثة"، أوضح أنه لن يطرأ ارتفاع ملحوظ على أسعار الدجاج الطازج، مُنوهاً إلى أن الوزارة مُستمرة بإدخال الدجاج المُبرد لقطاع غزة، إذ طلبت من التجار جلب كميات جديدة وأعداد أكبر من الدجاج المبرد، نظراً لارتفاع الأسعار الناتج عن زيادة الطلب في الأسواق خلال شهر رمضان.
وبيّن أن الوزارة تجري اتصالات مُوسعة مع مُختلف الجهات المحلية والإقليمية، لطلب تقديم المُساعدة وتعويض المزارعين المُتضررين من موجة الحر الأخيرة، مُشيراً إلى أن هناك وعود بتقديم مبلغ مالي للمُتضررين.


التعليقات : 0