التحليل السياسي: عامر خليل
زيارة رئيس الحكومة الهندية ناريندرا مودي الى دولة الاحتلال لمدة ثلاثة ايام وهي الاولى من نوعها لرئيس وزراء هندي تحمل دلالات ذات مغزى في الاختراق الاسرائيلي للقارة الاسيوية وفتح افاق جديدة فيها وتراجعا واضحا عن الدعم الهندي التقليدي للقضية والشعب الفلسطيني ولا تخفي دلالة تجاوز مودي لزيارة رام الله والتقائه مع قيادة السلطة الفلسطينية في اشارة واضحة الى تحول في الموقف الهندي والتركيز على المصالح الهندية الاقتصادية والامنية دون التفات للبعد السياسي ومودي الذي يرمز الى صعود القومية الهندوسية اليمينية يجد تماثلا في تل ابيب مع القومية الاسرائيلية التي تسيطر على الحكم بقيادة نتنياهو منذ تسع سنوات.
فهم ما يحدث في العلاقات الهندية الاسرائيلية لا يمكن فصله عما يحدث في المحيط العربي وحرف الصراع مع الاحتلال نحو وجهة اخرى وتهميش القضية الفلسطينية التي لم تعد شاغلا وهما عربيا من خلال الانفتاح الخليجي على اسرائيل والاستعداد للتطبيع معها حتى دون اي حل للقضية الفلسطينية وفق المعايير التي حددها العرب في مبادرتهم التي اطلقتها القمة العربية في بيروت عام 2002 ما يعطي اطمئنانا للهند بان علاقاتها الاقتصادية الواسعة مع العرب لن تتضرر خاصة دول الخليج فلن يعترض احد عليها فعمالتها الواسعة في هذه الدول التي تقدر بأكثر من ثلاثة ملايين هندي والتي تدر عليها بلايين الدولارات لن تتأثر تماما كما المشاريع الاقتصادية الكبيرة التي تنفذها في العالم العربي.
زيارة مودي يعني ان حقبة التعاطف الهندي مع فلسطين وتأييدها للحقوق الفلسطينية بنفس القوة والدفع التي سادت في العقود الماضية خاصة في ظل حكم حزب المؤتمر الهندي وعائلة غاندي قد انتهت ويعد ذلك قصوراً فلسطينياً وعربياً واضحاً وتسليماً لاختراق اسرائيل لجنوب شرق اسيا بعدما توثقت العلاقات مع الصين وزارها نتنياهو ورؤساء وزراء سابقون اكثر من مرة فيما كانت زيارة الرئيس الصيني السابق هو جين تاو الى دولة الاحتلال عام 2004 مؤشرا على التغير الملحوظ في علاقات اسرائيل مع الصين.
لم تكن العلاقات الاسرائيلية مع دول جنوب شرق اسيا تتوثق وتقوى لتصل الى ماهي عليه الان الا في ضوء عملية التسوية التي بدأت بمؤتمر مدريد عام 1991 الذي جمع الدول العربية مع اسرائيل على طاولة واحدة لاول مرة منذ بداية الصراع ما ازال العقبة الاساسية بازالة الحاجز النفسي في التعامل معها وتشجيع الدول التي ربطت علاقاتها مع تل ابيب بالقضية الفلسطينية والاحتلال الاسرائيلي وقطعت علاقاتها مع اسرائيل او لم تؤسس علاقات معها على هذه الخلفية فالهند والصين اعادتا علاقاتهما مع اسرائيل بعد مؤتمر مدريد عام 1912 لتدخل الى مرحلة انفتاح غير مسبوق فقرابة 56 دولة بدأت علاقاتها مع إسرائيل وفتحت اسواقها امام المنتوجات والتكنولوجيا الاسرائيلية ما ساهم في تحقيق قفزة هائلة في الاقتصاد الاسرائيلي وتحقيق نمو هائل وصل الى 8% سنويا وساهم في استيعاب موجة الهجرة الكبيرة لما يقارب من مليون يهودي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1989.
يبقى البعد الاقتصادي والامني هو الاهم في علاقات اسرائيل مع الهند ولا يعني ذلك اغفال السياسي الا انه يبقى نتاج للعلاقات الاخرى فعبرها تؤثر دولة الاحتلال على المواقف السياسية حيث تسعى الى تحطيم الكتلة الواسعة لتأييد فلسطين في المؤسسات الاممية وهو ما تنجح فيه من خلال تقليل عدد الدول المؤيدة لمشاريع القوانين في مؤسسات الامم المتحدة ونقلها الى دائرة الامتناع عن التصويت او المعارضة وعدم زيارة مودي الى رام الله يعني ان الاهتمام الهندي السياسي بالقضية الفلسطينية في حالة تراجع رغم الاعلانات التي تصدر بشكل رسمي عن تأييد الحقوق الفلسطينية، وتصريح نتنياهو في استقبال مودي "هذا اليوم عظيم، وتاريخي"، وقول الاخير انه "يتشرف بكونه أول رئيس حكومة هندي يصل إلى البلاد في زيارة طلائعية ستكون بداية مسار الشراكة مع إسرائيل يشير الى ذلك المغزى.
يمكن رصد سلسلة واسعة من الاتفاقيات الامنية والاقتصادية بين الهند واسرائيل منذ عودة العلاقات بينهما عام 1992 الا ان العقد الاخير شهد زخما كبيرا فيها خاصة في السنوات الثلاث الاخير منذ ان فاز مودي في الانتخابات وترأس الحكومة الهندية وزيارة مودي التي بدأت الثلاثاء وتنتهي اليوم سيوقع خلالها على صفقات دفاعية لصالح الهند تقدر قيمتها بأكثر من مليار دولار سنويا، وفي نيسان الماضي أبرمت الهند اتفاقا مع الصناعات الجوية الإسرائيلية بقيمة حوالي ملياري دولار، وصفقة اخرى قيمتها 630 مليون دولار لتزويد البحرية الهندية بأنظمة الدفاع الصاروخي، وسيجري التعاون في مجالات اخرى مثل التعاون المدني بين الهند وإسرائيل في مجال المياه والزراعة والتحديث والسيبرانية والفضاء ويشمل التعاون الامن الغذائي بتوسيع 26 مركز خبرة زراعي كانت إسرائيل قد أنشأتها في 15 ولاية هندية للمساعدة في زيادة إنتاج كل شيء من الخضراوات إلى المانجو والرمان.
قطار العلاقات الهندية الاسرائيلية ينطلق بسرعة وتوسع تل ابيب من علاقاتها في كل مكان ليؤكد ذلك ان المزاعم الاسرائيلية عن المقاطعة التي تتزايد هي مجرد توظيف من اجل فعل العكس وممارسة الضغوط للدفع نحو فتح افاق لاسرائيل امام العالم وكل ذلك يكشف مدى الوهن العربي الذي يقبل على اسرائيل ويفتح بدوره العواصم الاخرى امامها فيما هي ترسخ احتلالها وتهود القدس وتلتهم الارض وتضيق الخناق على الشعب الفلسطيني، وكل ذلك يتم بفضل مسيرة التسوية التي انطلقت في مدريد قبل 26 عاما ثم اوسلو ولم تؤد الى اي تغيير في واقع الاحتلال الذي تعزز وترسخ ورفع عبء الاحتلال عن تل ابيب.


التعليقات : 0