غزة/ دعاء الحطاب:
بينما كانت الشمس تتهيأ للرحيل، ورصاصات جنود الاحتلال الإسرائيلي تتسلل بين صفوف المتظاهرين العُزل على الحدود الشرقية لمخيم البريج وسط قطاع غزة، كان ملاك الرحمة" محمد الجديلي" يقف على بعد امتار قليلة من السياج الفاصل يبدل قفازاته البيضاء المصبوغة بالدماء، وعيناها تراقبان الأحداث بيقظه، حتى اذا ما سقط أحد المشاركين مصاباً أو شهيداً يُهرول إليه لانتشاله.
وبعد ثوانٍ معدودة، انتبه "محمد" بوقوع أحد الشباب قرب السياج، فانطلق صوبه بسرعة البرق، وبدأ بتفحص نبضات قلبه وتقديم الإسعافات الأولية اللازمة لإنقاذ حياته، دون أن يُدرك أنه سيكون هدفاً ثميناً لجُنديٍ حاقد، فسدد نحوه رصاصة معدنية مُغلفة بالمطاط اخترقت وجهه، وتسببت بكسورٍ بالجمجمة، ليسقط أرضاً بردائه الطبي المصبوغ بدمائه، وهو الذي لطالما امتزج بدماء من أسعفهم وأنقذ حياتهم.
عم الصمت الأرجاء قليلاً من هول المشهد، ثم هب الشبان المُتظاهرون و الفرق الطبية نحو" محمد" لإنقاذ حياته، فبعد تقديم الإسعافات الأولية اللازمة له، تم نقله إلى المُستشفى لإجراء عدة عمليات جراحية، تُمكنه من البقاء حياً.
وقع خبر إصابة " محمد" كالصاعقة على قلوب أقاربه وذويه، رغم علمهم أن الفراق أتٍ لا محال إلا أنهم لم يستطيعوا تحمل فكرة أن يكون "محمد" ضحيةً لرصاصات الاحتلال، خاصةً أنه كان يرتدي ردائه الطبي الذي يُدلل على إنسانية عمله، وبقوا ينتظرون شفاءه ولسان حالهم يردد " يارب سلم، يارب ألطف فيه".
بين لوعة الانتظار ودموع الرجاء ظل أهله يتأرجحون لأيام أمام غرفة العناية المركزة، حتى أخبرهم الأطباء أخيراً باستيقاظه واستقرار حياته، لكنه مجبورٌ على البقاء داخل المُستشفى لحين تماثله إلى الشفاء التام.
بعد أيامٍ طويلة قضاها "محمد" على أسرة المُستشفى، يتلوى من شدة الآلام والأوجاع، تدهورت حالته الصحية جراء تراكم السموم داخل جسده، ليُنقل فوراً إلى أحدى مستشفيات مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، وبمُجرد وصوله صعدت روحة إلى السماء، لينال شرف الشهادة التي طالما تمناها.
واستشهد ضابط الإسعاف محمد الجديلي(36عاما)، الاثنين الماضي، متأثراً بجروح أصيب بها برصاص الاحتلال أثناء تأديته لواجبه الانساني بتاريخ 3/5/2019 في مسيرات العودة شرق قطاع غزة.
شهيد الوطن
وارتجف قلبها مع صوت رنين الهاتف وما صاحبه من رجات متعددة، وكأنّ زلزال أصاب قلبها حينما ردت على المكالمة الهاتفية وبدأ حديث المتصل: " أنت زوجه المُسعف محمد الجديلي؟"، اجتاح الخوف قلبها، في زحمة الاحتمالات والتساؤلات خشية أن تكون في النهاية هي نقطة الفراق والوداع.
أجابت بصوتٍ مرتجف" نعم نعم أنا زوجته"، ليُخبرها ما كانت تخشاه قائلاً:" محمد استشهد، الله يصبركم"، لم تُصدق ما سمعته، لكنها تمالكت نفسها، وصبرت واحتسبت زوجها شهيداً، لعله يكون شفيعاً لها يوم القيامة.
وبقلبٍ يكتوي بالحسرة، تقول زوجة الشهيد، عبر مقطع فيديو ظهر على مواقع التواصل الاجتماعي:" محمد مضيع كل وقته على انقاذ حياة الناس، هو اللي ما ضاع كل تعبه، الحمد لله ربنا ما ضيع له تعب ولا ثواب لا بالدنيا ولا بالأخرة، الله يحسن مثواه ونحتسبه شهيد عند رب العالمين، ان شاء الله مع الشهداء والصدقين بالفردوس الأعلى".
وتتابع بنبرة حزينة:" يا رب محمد حبيبك، اللهم اني استودعتك اياه فحفظه يا الله وارحمه برحمتك ، واجمعنا فيه يا رب"، مستدركة:" فراقه والله صعب، حسبنا الله و نعم وكيل، الحمد الله رب العالمين".
وأضافت بغصة:" كل ما كان يطلع على الدوام كنت استودعه، كان دايما يقول انا بدي أروح و استشهد ، انا شهيد ، والحمد الله الله نوله إياها"، مردفه:" لما تصاوب محمد فكرته استشهد، لكن الحمد الله الله قدر ولطف، وضل محمد بالمستشفى يتعالج، وبعدين تعب وصارت معه مُضاعفات واستشهد".
وأنهت حديثها:" محمد الله حن عليه واختاره ورحمه، الحمد لله استشهد، محمد شهيد الوطن، شهيد البطولة، الله يرحمه".
فاجعة كبيرة
أما شقيق الشهيد، فقد ظهر بمقطع فيديو، يُحاول تمالك نفسه واخفاء دموعه، ولسان حالة يُردد بدون وعي:" والله من الفجر قاعد بستناه، الحمد لله، والله مسامحك والله مسامحك يا حبيبي"، فيما يُحاول من حولة من الرجال تهدئته وتخفيف مصابه.
بألم يعتصر قلبه، يقول:" الإصابة كانت مُباشرة بالوجه، هاد الاستهداف ما كان لمحمد الاستهداف لجمعية الهلال الأحمر، هادي جمعية عالمية معروفه بقوانينها و عمليات التنسيق، كيف استهدفوها؟".
ويتابع:" محمد تصاوب وهو على راس عمله ، محمد متزوج و اسرته مكونه من بنتين وولدين، الولد الأخير لسه رضيع"، مضيفاً:" ربنا يحمي الشباب التي تخدم المواطن الفلسطيني، محمد ما كان يشتغل فقط بمسيرات العودة، كمان كان ينقذ الحالات الإنسانية و الحرجة في الأماكن السكنية و العمارات".
واستكمل حديثة:" لما تلقينا الخبر كان فاجعه كبرى النا، بس هاد واجب إنساني قدمة ودفع ثمن عشان ينقذ أبناء شعبه، وهذه مسألة تعد من الرجولة والجراءة بنفس الوقت، انه يضحي بحياته لينقذ حياة الاخرين".
وأكد على ضرورة مًحاسبة جيش الاحتلال الذي يُمعن باستهداف الطواقم الطبية، قائلاً:" هادي جريمة لازم يتحاسب عليها الاحتلال الصهيوني لكونه يستهدف المسعفين والأطباء، الذي كفل القانون حمايتهم".
لحظة الوداع
وحين تري مشاهد أبناء الشهيد "محمد" لحظة وداع والدهم، تُدرك أن غيابة كان أمراً صعباً للغاية، فقد بدا ذلك في صراخاتهم ودموعهم التي تُطالبه بالاستيقاظ والرد عليهم.
" بدي بابا، بدي بابا، وينوا بابا"، هذه كانت صرخات طفلة الشهيد حينما تلقت خبر استشهاد والدها داخل المُستشفى، ليحملها عمها بين يديه ويُخبرها بأنه نائم لعله يُسيطر على بُكائها و يُخفف رهبتها.
وفي ي مشهد مؤثر، قاد نجل المسعف الشهيد، تشييع جنازة والده مرددا شعاراتٍ تنعيه وهو يذرف الدموع، وبذات اللحظة يُحدق النظر بملامح ولده ويُحاول لمس وجنيته لعلها تبقي طويلاً بعد غيابه.
الطفل صرخ باكيًا "الشهيد حبيب الله"، فيما ردد المشيعون هتافه حاملين الأعلام الفلسطينية، وكذلك هتافات غاضبة تطالب بمحاسبة سلطات الاحتلال على جرائمها .
وانطلق موكب التشييع من مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، إلى منزل عائلته في مخيم البريج لإلقاء نظرة الوداع عليه، حيث أدى المشيعون الصلاة عليه في المسجد الكبير بالمخيم.


التعليقات : 0