مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ إسماعيل مهرة
مرة أخرى يكرر حزب «العمل» ذات السيناريو في تنحية رئيسه بعد دورة انتخابية واحدة، مع تعديل بسيط بعدم القدرة على حسم هوية رئيسه من الجولة الأولى، بسبب كثرة المتنافسين وعدم نجاح أيّ منهم بالحصول على نسبة الـ 40% من أصوات الذين شاركوا في الانتخابات.
أجرى حزب «العمل»، الثلاثاء المنصرم (4 تموز)، انتخاباته الداخلية لانتخاب رئيسه ومرشحه للتنافس على رئاسة الحكومة، وقد شارك 35 ألفًا من بين مجموع أعضائه البالغ عددهم قرابة 55 ألفًا، ويلاحظ أولًا ان عدد أعضاء الحزب المسجلين كأصحاب حق في الانتخاب قد تراجع كثيرًا، حيث بلغ عددهم سنة 1999 قرابة الـ 300 ألف عضو، وعدد لا بأس به من هؤلاء الـ 55 ألف تم تسجيلهم في الأشهر الأخيرة من قبل المتنافسون الكثر الطامعين في رئاسة الحزب، وقد تكفل هؤلاء المنافسين بدفع بدل اشتراك العضوية، وبالرغم من عدد الأعضاء القليل بالنسبة للسابق، فإن مَن ذهبوا للتصويت من بينهم لم يتجاوزوا الـ 60%، هذا برغم كثرة المتنافسين وسخونة الحملات الانتخابية التي نظمها وقادها المتنافسون، والتي تبنّى بعضهم فيها أساليب ترامب الانتخابية من حيث التشهير وانفلات اللسان واستخدام الفضاء الالكتروني، ومنصات القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام التي احتضنت الانتخابات، وحاولت ان تساعد الحزب وتسوقه وتجعله أكثر حيوية وبريقًا في أوساط الجمهور الإسرائيلي.
الإطاحة برؤساء «العمل» باتت عادة أصيلة بالحزب، حيث ان معظم رؤسائه في السنوات العشر الأخيرة لم يستمروا بالرئاسة لأكثر من عامين، ومنذ ان ينتخب الرئيس يبدأ العد التنازلي والاصطفاف للانتخابات القادمة، لكن هذه الانتخابات تعتبر مهمة وتحظى باهتمام كبير من وسائل الإعلام والمتابعين، ليس فقط لكثرة المتنافسين؛ بل لأنها كانت تنطوي على تنافس غير محسوم بين ثلاثة متنافسين: عمير بيرتس ويتسحاق هرتسوغ وآفي غباي، ووجود احتمالات كبيرة لجولة ثانية للحسم بين اثنين من المتنافسين الذين يحصلون على أعلى الأصوات. بالإضافة إلى ان انتخاب أيّ من الثلاثة سيكون له تأثير مختلف على حزب «العمل» وتوجهاته، وعلى الساحة الحزبية الإسرائيلية.
وقد جاء فوز بيرتس كمتنافس أول في الجولة الثانية بحصوله على 33%، وآفي غباي كمتنافس ثانٍ بحصوله على 27%، وحيث كلاهما من أصل مغربي (بيرتس ولد بمدينة بجعد في المغرب، وهاجر إلى فلسطين سنة 1956 عندما كان عمرة أربعة أعوام، كذلك غباي كان والداه قد هاجرا من المغرب إلى فلسطين قبل ولادته بأعوام)؛ فأن تنتخب قاعدة حزب «العمل» - المتهم سابقًا بالغلو الاشكنازي والتمييز ضد الشرقيين - اثنين من أصول مغربية للتنافس على زعامته، يُعتبر أمرًا هامًا بحد ذاته بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي، وهو ما جعل شيلي يحيموفيتش تعبر عن سعادتها ان حزبها تجاوز الانطباع السائد عنه، وقد علق أرييه درعي زعيم «شاس» على الأمر قائلا: «حزب العمل الذي هو امتداد لمباي ينتخب متنافسين مغربيين، يؤكد اننا قطعنا طريقا طويلة على طريق التخلص من الصراع الطائفي»، وهو أمر قد يمنح حزب «العمل» ميزة القدرة على الوصول إلى أصوات انتخابية لم تصوت في السابق للحزب.
مع عدم قدرة الحزب على الحسم بين متنافسيه في الجولة الأولى، فإن أعضاء الحزب سيضطرون للإدلاء بأصواتهم في العاشر من تموز الجاري لتتويج بيرتس أو غباي كرئيس للحزب، وإن انتخاب أيّ منهما سيحدد إلى حد كبير طابع الحزب وهويته السياسية والأيديولوجية، وسيحدد القاعدة الانتخابية التي يسعى لنيل ثقتها، وبالتالي سيحدد بناءً على ذلك شعاراته ومواقفه، وعلى المستوى الداخلي ستحدد طبيعة الاصطفافات الداخلية، وطبيعة استمرار العلاقة أو إنهائها مع حزب «الحركة» بزعامة تسيبي ليفني، وسيحدد الموقف من تشكيل معسكر المركز والتنافس على زعامته من بين شخصيات من عدة أحزاب أو أخرى مستقلة، وهو الأمر الذي تسعى إليه ليفني، ويسعى إليه باراك، وشخصيات كثيرة في الحلبة السياسية هدفها تشكيل تكتل كبير قادر على هزيمة نتنياهو.
بيرتس - الذي كان رئيسًا سابقًا لـ «العمل» ووزيرًا للأمن ورئيسًا سابقًا للهستدروت، وشغل وزيرًا في أكثر من حكومة، وكان رئيسًا لبلدية «سديروت» ويذكر له الإسرائيليون أكثر شيء قراره بإنتاج القبة الحديدية - يُعتبر صاحب هوية سياسية وأيديولوجية أكثر وضوحًا، ويُنظر إليه على أنه إذا فاز بالرئاسة سيشكل صوتًا معارضًا قويًا لـ «الليكود» قياسًا بهرتسوغ وغباي، ويحظى حتى الآن بدعم رئيس الهستدروت نيسن كورين، لكنة في نفس الوقت يعاني من عداوة شديدة له بين قيادات حزب «العمل»؛ لذلك فإن فوزه برئاسة الحزب ليس أمرًا مؤكدًا، بل وربما لا يتجاوز حظوظ منافسه غباي.
غباي - وهو الوزير السابق في حكومة نتنياهو عن حزب «كلنا»، كان قد قدم استقالته من الحكومة في أعقاب إقالة يعلون من وزارة الأمن وتعيين ليبرمان، وصرح محتجًا ضد مسيرة التطرف التي تقودها الحكومة قائلًا «علينا ان نوقف هذه المسيرة التي أشعر بأنها ستقودنا نحو خراب الهيكل الثالث»، وقد تحول بعد استقالته إلى محبوب الإعلام ومحبوب بين النخبة السياسية التي تطلعت إليه كذخر سياسي، وقد انضم لحزب «العمل» نهاية الـ 2016 معربًا في حينة عن رغبته في التنافس على رئاسة الحزب - يُعتبر يمينيًا سياسيًا ونيو ليبرالي اجتماعيًا، ويراهن على قدرته على منافسة يائير لبيد على أصوات المركز، وهو يحظى بدعم الكثير من نخب حزب «العمل»، وفي مقدمتهم يحيموفيتش وعمرام لفين وايهود باراك.
يذكر انه منذ عام 2000 حتى اليوم تبدل على رئاسة الحزب سبعة رؤساء، وهو يعتبر عدداً كبيراً جدًا لا يدلل على حيوية الحزب بقدر ما يدلل على غياب الزعامة الحقيقية القادرة على ان تقنع مركز الحزب وقيادته بقدرتها على قيادة الحزب، حتى في حال فشلت في التنافس على رئاسة الحكومة، وقد تميز الحزب بعد ان غادره بيرس إلى «كاديما» وحطم باراك هويته وبنيانه وتركه نازفًا تأكله الانشقاقات والحروب الداخلية الطاحنة؛ تميز بالصراع الداخلي والاصطفافات والتجنحات وفقدان البوصلة والهوية واللهاث خلف اليمين وتبني شعاراته، وفي مقدمتها غياب الشريك الفلسطيني والتنكر لحل الدولة الفلسطينية.


التعليقات : 0