ديون "السلطة من البنوك" تزيد أعباء الاقتصاد الفلسطيني المنهك

ديون
فلسطينيات

غزة / محمد أبو هويدي:

تواجه السلطة الفلسطينية منذ ثمانية أشهر أزمة مالية خانقة، نتيجة قرار الحكومة الصهيونية اقتطاع أموال الضرائب الفلسطينية (المقاصة)، بذريعة أن السلطة تقدم جزءاً من تلك الأموال إلى أسر الشهداء والأسرى الفلسطينيين في السجون الصهيونية. وانعكست تداعيات هذه الأزمة بشكل رئيس على القطاع الخاص والموردين، والموظفين العموميين وهيئة التقاعد العامة، باقتطاع الحكومة الفلسطينية 50 % من رواتبهم خلال الأشهر الماضية.

 

وقال البنك الدولي إن السلطة الفلسطينية أُجبرت على مراكمة الديون من المصارف المحلية، وزيادة متأخرات الموظفين والموردين وصندوق التقاعد العام، ما خلق تحديات ضخمة للاقتصاد بشأن السيولة. وتتجاوز الفجوة التمويلية 1.8 مليار دولار هذا العام بسبب انخفاض تدفقات المعونة وعدم التوصل إلى اتفاق بشأن تحويل عائداتها من أموال المقاصة.

 

وقال المدير والممثل المقيم للبنك الدولي في فلسطين كانثان شانكار: "إن التوقعات للأراضي الفلسطينية تبعث على القلق، حيث إن محركات النمو آخذة في التراجع، وأزمة السيولة الشديدة بدأت تؤثر على قدرة السلطة على سداد مستحقات موظفي الخدمة المدنية وتقديم الخدمات العامة". وأضاف" إذا اتخذت الإجراءات الصحيحة، وبالتعاون بين الأطراف المعنية، من الممكن عكس مسار هذا الوضع".

 

وتابع التقرير ان إجمالي الإيرادات التي تلقتها السلطة في النصف الأول من العام 2019 تراجع إلى نصف ما كان عليه في الفترة ذاتها من العام الماضي، ويرجع ذلك في الأساس إلى انخفاض أموال المقاصة بنسبة 68%، مذكرًا أن السلطة رفضت استلام هذه الأموال بسبب قيام "إسرائيل" باقتطاع 138 مليون دولار سنويًا. وقال التقرير "نتيجة لذلك، اتخذت السلطة الفلسطينية عددا من الخطوات لمواجهة هذا التراجع في السيولة، بما في ذلك استخدام كامل قدرتها على الاقتراض من المصارف المحلية ودفع 60% فقط من رواتب موظفيها، مع توفير الحماية لمن لا تتعدى رواتبهم ألفي شيقل شهريا".

 

المشكلة قائمة

 

الخبير بالشأن الاقتصادي د. معين رجب قال: "إن الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية جراء تراكم الديون عليها وارتفاع المديونية لديها وعدم قدرتها على الايفاء بالسداد شكل أزمة خانقة مما راكم  الديون من المصارف المحلية، وزيادة متأخرات الموظفين والموردين وصندوق التقاعد العام، وهو ما خلق تحديات ضخمة للاقتصاد بشأن السيولة، وكان الأصل من السلطة الفلسطينية أن تشكل فريقاً وطنياً من أجل تقديم الحلول الممكنة لهذه الأزمة وإعداد موازنة طوارئ لعام 2019 بدل الموازنة المعتادة".

 

وأوضح رجب لـ"الاستقلال"،أن السلطة الفلسطينية حاولت إيجاد حلول للمشكلة وقد نجحت في حل جزء بسيط منها وهي تحرير المحروقات من معاملة المقاصة بمعنى أن الحكومة الصهيونية لا تتدخل بجباية تلك الأموال إنما السلطة هي التي تتولى جبايتها مباشرة من الفلسطينيين, ورد تلك الأموال جرى من بداية يناير 2019 وهذا ساهم باسترداد جزء من أموال المقاصة المتراكمة والمحجوزة عند الاحتلال لصالح السلطة الفلسطينية. وأضاف الخبير الاقتصادي، أن هذا الحل ليس كافياً وعلى السلطة العمل الحثيث لإيجاد الحلول التي قد تخفف من حدة هذه الأزمة واتجاه السلطة إلى المجتمع الدولي ومطالبتها بمحاكمة "إسرائيل" وجعلها تعيد أموال المقاصة والضرائب التي تحتجزها منذ أشهر, وهذا قد يحل تلك المشكلة إذا ما نجحت تلك الخطوة خاصة إذا نجحت بإصدار قرار يلزم الاحتلال بإعادة تلك الأموال.

 

وبين رجب، أن المشكلة قائمة والسلطة لديها التزامات يجب العمل على حلها فهناك ديون لصالح هيئة التقاعد الفلسطينية وديون للموردين الذين يقدمون خدمات ومناقصات للحكومة وأيضا متأخرات الموظفين ومستقطعات رواتبهم التي استقطعت خلال تلك الفترة إلى الآن وخاصة رواتب موظفي قطاع غزة، معتبراً استمرار هذه الأزمة على شاكلتها سيكون له آثار كارثية على الشعب الفلسطيني خاصة أن الدول العربية الملتزمة بشبكة الأمان المالية لم تف بتعهداتها بشكل كامل لأن فتلك الدول تمر بأزمات وخاصة الدول النفطية وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية أوقفت معوناتها التي تقدمها للسلطة.

 

وأشار الخبير الاقتصادي، أن السلطة الفلسطينية مقبلة على تدهور اقتصادي كبير جراء استمرار تلك الأزمات المعيشية والإنتاجية لأن الأزمة ليست محصورة بالحكومة فقط, بل أنها تعم أرجاء قطاعات الوطن فهى تطال العاملين في جميع قطاعات العمل الحكومي والخاص, وتطال المواطنين, وإذا لم توجد حلول يكون المجتمع في حالة شلل تام, لأنه لا يوجد سيولة, ويعم الركود الاقتصادي, مما يؤثر على الوضع الاجتماعي بشكل كبير إذا لم يتدارك الجميع هذه الأزمة , ويبحثوا عن حلول لتفاديها, ولا نقع في عواقب وكوارث لا تحمد عواقبها.

 

لا خيارات جديدة

 

بدوره اعتبر المحلل والخبير الاقتصادي د. نصر عبد الكريم، أن هذه الأزمة متوقع أن تحصل وأن يحدث هذا التراكم المهول بالديون المتراكمة على السلطة الفلسطينية, وأزمة المقاصة لها الدور الأبرز بنشوب هذه الأزمة الخانقة لدى السلطة فخزينتها حرمت من 150 مليون دولار شهرياً, والأزمة لها ثمانية أشهر, ومع نهاية العام إذا ما استمرت هذه الأزمة, فإننا نتحدث عن مليار ونصف مليار دولار تحتجزها "إسرائيل".

 

وقال عبد الكريم لـ "الاستقلال": " السلطة الفلسطينية لا تستطيع تعويض تلك الأموال لأن المساعدات التي كانت تقدم لها أوقفتها أمريكا, وأزمة أموال المقاصة أثرت على وضعها المالي, فلجأت السلطة إلى الاقتراض من القطاع المصرفي والبنوك, ولكن هذا ليس حلاً للمشكلة, بل أصبح عبئاً مالياً إضافيا على السلطة, لأن البنوك أقرضت السلطة منذ بداية الأزمة حوالي 300 مليون دولار خلال ستة أشهر,  ووزير المالية قال أن الاقتراض من البنوك أصبح غير ممكن الآن, والفجوة التي بقيت أتت على حساب الموردين والذين يقدمون خدمات للحكومة الفلسطينية وعلى حساب هيئة التقاعد والموظفين".

 

وأوضح الخبير الاقتصادي، أن تلك الخطوة أتت على حساب المتأخرات والرواتب المستقطعة من الموظفين وخاصة موظفي قطاع غزة فتراكمت الديون ومع نهاية العام سيكون مجموع ديون السلطة ملياري دولار, وبالتالي هذا ليس غريبا نتيجة هذا الوضع الاقتصادي الصعب, والذي كان متوقعاً حدوثه وتداعياته واضحة, ونتائجها السلبية ستتفاقم يوما بعد يوم, وهذا سيؤثر على الاقتصاد الفلسطيني بشكل عام وليس على السلطة فقط التي تعيش هذه الأزمة, ولكن يبقى السؤال المهم, ماذا عن سيولة الاقتصاد الفلسطيني وأثره على المجتمع ككل؟.

وأشار عبد الكريم، أن تداعيات هذه الأزمة تنعكس على المواطن الفلسطيني, مما سينتج عنه معدلات هائلة في البطالة, وركود رهيب في الحركة الشرائية لدى المواطنين, وتأثيرات سلبية كبيرة على جميع مناحي قطاعات العمل سواء الخاص أو العام, فستتعطل الكثير من الخدمات العامة مثل الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية وغيرها, وسيؤثر على جودة تلك الخدمات الحيوية والرئيسية. لافتاً إلى أن السلطة لا يوجد عندها أية حلول لهذه الأزمة, وخياراتها قد استنفدت سواء بالاقتراض من البنوك, أو استقطاب بعض المساعدات، مبيناً أن الأزمة سياسية بامتياز, والآن هي معقدة أكثر بسبب الانتخابات الإسرائيلية, فالمشهد الإسرائيلي يؤثر عندنا نحن الفلسطينيون وندفع ثمن تعقده عند الاحتلال, لذلك علينا الانتظار لتتشكل حكومة جديدة, وحينها قد يكون هناك حلول أو قد تظهر وتحدث انفراجة في موضوع المقاصة وجمع الضرائب للسلطة الفلسطينية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق