"موسم البلح".. يفتح باب رزق للعائلات الغزية

اقتصاد وأعمال

 

غزة / دعاء الحطاب:  

ما إن تخرج الشمس من مخبئها، وتلقي أشعتها على قطوف البلح المتدلية، و تعزف الطيور ألحانها، ينتفض الاربعيني محمد بركة من فراشة، ويوقظ أفراد عائلته كبيرهم وصغيرهم، لبدء رحلة جديدة في جني ثمار النخيل التي تؤمن للعائلة مصدر دخل موسمي، يُخفف من معاناتهم في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية السيئة التي يعاني منها قطاع غزة.

 

وما أن يجهز بركه الأدوات الخاصة بجنى ثمار البلح ( الحبال، السلالم، الأكياس، الصناديق الخشبية)، حتي يستقل عربة ( الكارو) يجرها حصان، لنقلهم الى أرضهم القريبة من بيتهم وسط دير البلح و التى تبلغ عشرة دونمات، وتحتوى على 25شجرة نخيل.

 

ويُعدّ موسم جني البلح مصدر رزق لعدد كبير من المزارعين في قطاع غزة، اذ ينتظرونه بفارغ الصبر، ليتسنى لهم ممارسة هواياتهم المفضلة في جني المحصول، حيث تحرص عائلات بأكملها على المشاركة في جني المحصول، وتنظيفه وفرزه قبل عرضه للبيع.

 

وتشكل أشجار النخيل وثماره من البلح قيمة اقتصادية كبيرة في فلسطين وخاصة في قطاع غزة الذي يمتلك أكثر من 153 ألف نخلة، حيث يؤمِّن الموسم نافذة عمل واسعة للفقراء والعاطلين عن العمل.

 

رحلة رزق

 

وهناك قرب أشجار النخيل، هدوء ساكن داعبته زقزقة العصافير، يتأهب بركة لصعود أحدى الأشجار عبر حبل متين، بعد أن ارتدى ما يعرف بـ"المطلاع"، الذي يساعده على تسلق النخلة، وفي يديه يمسك بأحدها الساطور  والاخرى ، وعاء يضع به الرطب .

 

ويبدأ بركة بهز عناقيد البلح من الرطب وتفريغه في "المشنة"، وبعد ذلك يقص قطوف البلح و ينزلها برفق عبر حبال خاصة إلى أبناءه الذين ينتظرونه بالأسفل، لتباشر العائلة بتنظيف قطوف البلح من الحبات الفاسدة، وفصل الرطب عن البلح.

 

وفي ساعات المغرب، تغادر عائلة بركة وقد أنهت يوما طويلا في جنى الرطب والبلح، حيث تعود إلى منزلها و قد ملئت عربة ( الكارو) بكميات كبيرة من ثمار النخيل، لبيعها في الاسواق المحلية و تصدير جزء منها للأسواق الخارجية في حال سمحت سلطات الاحتلال بذلك .

 

ويقول بركه لـ" الاستقلال":" ورثت زراعة النخيل من والدى، وأعتبر النخيل جزء من عائلتي وأهتم به لحظة بلحظة، فهو بمثابة مصدر رزق موسمي أنتظره بفارغ الصبر".

 

وأضاف:" المحصول من سنة لسنة يزداد سوء بسبب اشتداد درجات الحرارة، فكل عام تنضج الثمار قبل موسمها بما يقارب أسبوعين، الأمر الذي يؤثر سلبا على جودتها و حجمها و على كمية الانتاج".

 

وبالنسبة للمزارع بركه ، فإن زراعة البلح باتت "لا تسمن ولا تغني من جوع"، فهو يباع بأسعار زهيدة في أسواق قطاع غزة بسبب إغلاق المعابر من قبل الاحتلال و منع تصديره، الأمر الذي يكبده وأمثاله من المزارعين خسائر كثيره، مشيراً الى أن سعر البلح في الاسواق الخارجية مرتفع جداً مقارنة بأسواق القطاع.

 

وأوضح أنه يصرف على شجرة النخيل ما بين 60 الى 70 شيكل، بينما يبيع ما تطرحه بحولي 100 شيقل، وذلك حسب الحمل، مبينا أن أسعار البلح والرطب في متناول الجميع هذا العام، اذ يبلغ سعر 3 كيلو البلح 10 شواكل ، فيما يبلغ سعر 4 كيلو رطب 10 شيكل، كما يبلغ سعر قطف البلح ب 25شيكل.

 

ونوه الى أن بيع البلح لا يقتصر على الثمار المقطوفة، فيمكن أن تباع النخلة كامله، اذ يتراوح سعرها من ( 50 شيكل - 900شيكل )، وفقاً لنوع البلح وحجم الثمرة والحمل.

 

ويعد البلح الحياني ذو اللون الأحمر من أكثر أنواع البلح شهرة، نظرا لقدرته على معايشة الظروف المناخية السائدة في القطاع، وتحمله لملوحة المياه المتوفرة في الشريط الساحلي، اضافة لقيمته الغذائية اذ يصنع منه الكثير من المواد الغذائية مثل: " العجوة، والدبس، والمربى، والبلح المجفف"، وفق بركه.

 

وبين أن زراعة النخيل لها فنيات خاصة لا يتقنها إلا أصحاب المهنة، فتلك الأشجار لها مواعيد محدده للتعامل معها، حيث يتم التلقيح في شهر ابريل، وربط القطوف في شهر مايو خشية سقوطها من ثقل الحمل، وفي شهر أكتوبر يبدأ جني الثمار، لافتا أن النخيل بحاجة إلى أدوية خاصة للمحافظة على الشجرة والثمار من الحشرات والتسوس.

 

وفي نهاية حديثه، يأمل بركه أن يعود هذا الموسم بالنفع والعائد المادي الجيد على المزارعين ، لعله يُخفف من معاناتهم في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية السيئة التي يعاني منها قطاع غزة.

 

الذهب الأحمر

 

في مكان أشبه بالدفيئات الزراعية، بمنطقة " عبسان" بمحافظة خانيونس جنوب قطاع غزة ، المشهورة بزراعة أشجار البلح بأصنافها المتنوعة، ينتظر الشاب سالم لافي برفقة مجموعة من العمال، وصول الشاحنة التي تنقل ثمار البلح من حقول النخيل اليهم، ليبدوا بعملية فرز الثمار يدوياً، ومن ثم تعبئتها في صناديق من الكرتون، وترتيبها داخل " مشاطيح" خاصة استعداداً لتصديرها للتجار والباعة في أسواق القطاع.

 

وعلى الرغم من التعب والارهاق الذي يتعرض له "لافي"، إلا أنه يبدو سعيداً بعمله، معتبراً أن موسم البلح فرصة ذهبية لالتقاط رزقه وتوفير احتياجات اطفاله في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في القطاع.

 

ويقول لافي لـ"الاستقلال":" إن موسم البلح يعد الذهب الأحمر للمزارعين، لكنه فرصه ذهبية وموسم خير و رزق للعاطلين عن العمل، ففى كل عام أنتظر مجيئه بفارغ الصبر و أتوجه الى أصحاب مزارع النخيل في خانيونس و دير البلح، للبحث عن فرصة عمل أما بالقطف أو الفرز أو حتى الترويج والبيع بالأسواق، ولا ينتهي الموسم إلا وقد حققت دخلاً جيداً".

 

ولفت الى أنه يعمل للعام الخامس في جنى ثمار البلح، وقد مارس هذه المهنة الموسمية لحد وصل بملاك وأصحاب أراضي يطلبونه بالاسم، مراعتا لظروفه الاقتصادية و ثقتناً بعمله، مشيراً الى انه استفتح الموسم بفرصة قصيرة، سمحت له بالعمل لخمسة أيام، وحالياً عثر على فرصة أفضل في حقل كبير يحتاج قطفه إلى أسبوعين.

 

وأوضح أن العائد من العمل في البلح إما يكون مالاً أو حصة من الثمار الذي يتم جنيه، وذلك بناءً على اتفاق مسبق مع مالك الأرض أو المزارع، مضيفاً :" مهما كان شكل الأجرة فقيمتها تتراوح ما بين( 25-30) يومياً للعامل الواحد، وهي جيده بالنسبة لى، فهي تعيننى على توفير احتياجات و متطلبات أطفالي المتزايدة".

 

وبين أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها كافة شرائح المجتمع الغزي، أجبرت المزارعين وملاك الحقول على دفع أجرة العمال كميات من البلح بدلاً من المال، في أغلب الأوقات، منوهاً إلى أنها أجرة جيدة وأفضل من المال، لأن صاحب الحقل يكرم العامل بكمية إضافية أكثر من المتفق عليها، ما يمكنه من توفير احتياجات أسرته وبيع الفائض.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق