غزة/ دعاء الحطاب:
ارتجف قلبها مع صوت رنين الهاتف، وكأنّ زلزالا أصاب قلبها حينما ردت على المكالمة الهاتفية وبدأ حديث المتصل: " في شهيد بالعودة مجهول الهوية، ساهرهناك؟"، اجتاح الخوف والقلق تفكيرها وسط زحمة الاحتمالات والتساؤلات، فأغلقت الاتصال مسرعة.
وبأصابع يدها المرتجفة، اتصلت برقم فلذة كبدها "ساهر"، وقلبها يكاد يتوقف منتظرة سماع صوته، لكن أحدا لم يُجب، باتت في حيرة من أمرها ترسم بعضًا من علامات الاستفهام، وتتردد في وضع نقطة في نهاية تفكيرها، خشية أن تكون هي نقطة الفراق والوداع.
مضت الساعات بثقلها، وهي تُعيد الاتصال بـ"ساهر" لكن دون جدوى، وتارةً تراقب عيناها عقارب الساعة المتأرجحة يميناً ويساراً، منتظرة توقفهما على تمام الساعة السابعة مساءاً لتعلن معها موعد رجوع نجلها المحبوب لبيته، لكنها لم تكن تتوقع أن بإتمامها ستعلن الإذاعات المحلية بأنه "الشهيد المجهول الهوية".
واستشهد الشاب ساهر عثمان (20عاما)، برصاصة قناص إسرائيلي بالصدر، خلال مشاركته أول أمس في الجمعة الـ(76) لمسيرة العودة وكسر الحصار شرق مدينة رفح، جنوب قطاع غزة.
فاجعة الاستشهاد
عمّ الصمت أرجاء المنزل لثوانٍ معدودة، ثم بدأت صرخات "الأم المكلومة" تعلو بالمكان، ولسانها يردد" ساهر، حبيبي يا ساهر، ليش قتلوك"، لينتفض كُل من في البيت نحوها وعلامات الدهشة ترتسم على ملامحهم، فلا أحد منهم يدرك حقيقة ما حدث.
وبعدها بدقائق استجمعت قواها وارتدت ثيابها لتخرج من المنزل وترى أناسا يتجمهرون أمامه وكأنها آخر من يعلم بما يجري، جميعهم بدأوا يطرحون سؤال واحد" هل حقاً ساهر استشهد؟"، لم تُجب على أحد!.
واستقلت سيارة إلى مستشفى أبو يوسف النجار بالمدينة، وهناك بغرفة الموتى كان الجميع يلتف حوله، للوهلة الأولى لم يستطع قلبها تصديق أنه رحل، نظرت للجثة المغطاة بالدماء، وقالت للطبيب: "لا هادا مش ساهر"، طلب منها تدقيق النظر به، حتى ألقت بجسدها عليه وأخذت تبكي بحرقة ولسانها عاجز عن النطق، ثم بدأت تمسح وجنتيه و تقبل جبينه: "حبيبي يا ساهر، حبيبي يما".
وبعد ما يقارب ستون دقيقة أمضتهم والدة الشهيد أمام جثمانه البارد في ثلاجات الموتى، استطاع الأقارب اقناعها بالعودة برفقتهم لى المنزل كي تتحضر للقائه الأخير، غادرت وقلبها يدرك جيداً أن كل أمنياتها لن تتحقق، فمهما قبلته واحتضنته لن يروي ذلك فؤادها، ولن يعود لأحضانها من جديد.
اللقاء الأخير
داخل منزل الشهيد، كانت والدته تجلس على أريكة صغيرة تذرف الدموع، وسط جموع النسوة اللواتي أتين لمواساتها، بل لتهنئتها بزفافه لحور العين، و ما أن وصل الشهيد محمولاً على الأكتاف حتى اقتربت منه وأخذت تحفر ملامح وجهه بذاكرتها، وتضمه تارة أخرى لعله يساند صبرها ويقوي عزيمتها، ليبقى الصمت و البكاء بالقلب أشد وجعاً على رحيل محبوب قلبها.
برحيل" ساهر" تحطمت أحلام والدته التي زخرفتها ليلة بليلة من أجل أن تراه عريساً يقبل جبينها في صورة مؤطرة تضعها قرب سريرها.
وأضافت بألم يحرق قلبها:" ابني كان خاطب وبدو يتزوج، ابني عريس ما قدرت أزفه، بس هلا بتزوج من حور الجنة، الله يسهل عليه ويحنن عليه يا رب".
ولأنها أم ذاقت ويلات الفراق واستشعرت مدى حرقة قلب أم الشهيد على نجلها، أخذت تردد دعواتها لأمهات الشهداء، قائله:" يا رب يصبر كل أمهات الشهداء على فراق أولادهم".
الكلمات الأخيرة
قلب الأب الذي فُطر على حب ابنه لم يستطع الوقوف بعيدا عن جثمانه الطاهر، فجلس بجواره يتحسس جسده البارد، ويهمس في أذنه كلمات سيقولها له للمرة الأخيرة، قبل أن يوارى الثرى.
والتف حشد من حوله وهو يخاطبه، يرقبونه وعيونهم تنطق من قسوة المشهد، إذ يقول:" ألف مبارك يا ابني، اليوم حتنزف لعروستك، الله يسهل عليك يا عريس".
بغصة تعترض صوته، أضاف الوالد:" نحتسب ساهر عند الله شهيدا، ساهر لبى النداء زي أي شب بفلسطين، كان مطلبه الوحيد أنه اليهود ترفع عنا الحصار والجوع اللي عايشن فيه".
ويتابع:" ساهر كان أعزل ما بحمل سلاح ولا حتى حجر، لكن اليهود على الحدود بقتلوا اللي بدهم إياه"، واصفاً نجله بأنه" خلوق و مؤدب، يتحلى بكافة الصفات الحسنة".
موكب التشييع
وشيعت جماهير غفيرة في مدينة رفح، أمس السبت، جثمان الشهيد ساهر، وسط دعوات بالثأر والانتقام لدمائه.
وانطلق الموكب الجنائزي للشهيد من مشفى أبو يوسف النجار بمحافظة رفح باتجاه منزل عائلته وسط المدينة، حيث تم إلقاء النظرة الأخيرة على جثمانه، ومن ثم أدى المشيعون صلاة الجنازة عليه، قبل مواراته الثرى في مقبرة المدينة.
وحمل المشاركون في الجنازة الأعلام الفلسطينية، ورددوا هتافات تطالب بالرد على جرائم الاحتلال بحق المتظاهرين السلميين في مسيرات العودة


التعليقات : 0