إبراهيم الضابوس.. شهيدٌ زُف مرّتين

إبراهيم الضابوس.. شهيدٌ زُف مرّتين
فلسطينيات

غزة/ دعاء الحطاب:

في غزة الموت، لم يكن الشاب ابراهيم الضابوس يرغب أن تكون حكايته عادية تُطوي بين الصفحات سريعاً، فقد رسم تفاصيلها بحلوها ومرها ببضعة كلمات قالها لزوجته " مروه" قبل عقد قرانهما بيوم، " مروه سأكون زوجك بالدنيا، وزوجاً للحور العين بالأخرة، وأنت سيدتهن"، فما كان منها إلا أن ابتسمت إليه وكأنها اشارة القبول.

 

في تلك اللحظة لم يخطر ببال "مروه" ذات السادسة عشر عاماً، سوا ذلك الفستان الأبيض الذي سترتديه وبجوارها فارس أحلامها "ابراهيم"، وحياةً وردية تجمعهما سوياً تحت سقف بيتٍ واحد، وهى لم تتوقع أن صاروخ طائرة اسرائيلية سيدمر كل أحلامها بعد شهرين فقط من زفافهما، ليزف "ابراهيم" عريساً للحور العين.

 

واستشهد الشاب إبراهيم الضابوس (23 عاماً) الثلاثاء الماضي، متأثر بجراح أصيب بها جراء استهداف طائرات الاحتلال لدراجة نارية في بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

 

صاعقة الاستشهاد

 

بينما كانت السماء ملبدة بالطائرات الاسرائيلية، وأصوات الانفجارات تهز الأرجاء، كان القلق والخوف يجتاح قلوب أفراد العائلة، فجميعهم ينتظرون عودة نجلهم "ابراهيم" على أحر من الجمر، وفجأةً صدر صوت رنين هاتف شقيقه، فأجاب مسرعا ليخبره المتصل أن "ابراهيم" مُصاب بجراحٍ خطيرة.

 

وقع الخبر كالصاعقة على قلوب ذويه، فقد جاءهم الخبر سريعاً لم يتأكدوا من شيء سوى أن فلذة كبدهم " ابراهيم" قد أُصيب، ركضوا صوب المستشفى دون أن يفكروا بشيء سواه، ركضوا وقلوبهم بالكاد تنبض، وبمنتصف الطريق فجعوا حين علموا بأنه نقل الى ثلاجات الموتى.

 

وبمجرد وصولهم المكان، ركضوا بسرعة البرق نحو الثلاجات، فوجدوه مسجى هناك مخضب في دمائه الطاهرة، فلم يكن منهم الا الصبر والاحتساب وان يتقبله الله شهيدا.

 

بصوتٍ يعتريه الألم، يروي أبو بكر الضابوس عم الشهيد تفاصيل الحكاية:" ابراهيم كان طالع على شغله بالدراجة النارية، وفجأة توترت الاوضاع بشدةً بعد تشيع جثمان القائد بهاء ابو العطا، خفنا عليه كثيرا وبقينا ننتظر رجوعه، لكن كان خبره أسرع من رجعته".

 

ويتابع أبو بكر بغصه خلال حديثة ل" الاستقلال":" قالوا إلنا ابراهيم مصاب بجراح خطيرة طلعنا نجري على المستشفى بدون وعي، كان عنا أمل نلاقيه عايش، وفي منتصف الطريق أخبرونا باستشهاده".

 

وأشار الى أن طائرات الاحتلال استهدفت " ابراهيم" بشكل مباشر ، وعندما تم نقله للمستشفي كان يلفظ أنفاسه الاخيرة فقد كان مبتور الأطراف وفاقدا لإحدى عينيه، ورأسه مشوه.

 

الشهيد الحي

 

ولم يكن الشهيد" ابراهيم" بعيداً عن عين الاحتلال الاسرائيلي، فقد نجا من عدة استهدافات خلال السنوات الماضية، وخلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة عام 2014 قامت الطائرات الحربية باستهداف منزل الشهيد وتدميره بالكامل ، إعتقاداً منهم أنه متواجد داخله.

 

ويقول أبو بكر:" ابراهيم نجا من عدة استهدافات خلال سنوات عمله بالوحدة الصاروخية لسرايا القدس، لكن هذه المرة الله قضى أن يرتقي شهيداً".

 

وأردف:" ابراهيم كان دائما يتمني الشهادة، وفى كل لحظة كان يتوقع الشهادة فهو يعلم نهاية طريقه، فكان يسير على الأرض ويشعر أنه شهيد حي، وكان يدعو الله ان يختاره و يعجل بشهادته رغم انه مازال عريس "، مضيفا:" زفينا إبراهيم عريس إلى زوجته بالدنيا قبل شهرين ، وقبل يومين زفناه الي الحور العين".

 

أصر على دفنه بيده

 

وفى اللحظة التي انشغلت بها العائلة بمصابها وفاجعتها، لم يستطع عم الشهيد " أبو بكر" تحمل فكرة أن يرحل "ابراهيم" في الوقت الذي يرقد به والده على سرير المستشفى بمصر، وبقي اسيراً للسؤال الأصعب" كيف سيخبر شقيقة باستشهاد نجله؟، وأنه سيحرم من وداعه للمرة الأخيرة؟".

 

فقبل أسبوعين غادر والد "إبراهيم" قطاع غزة للعلاج، لكنه بقي طيلة الوقت يسأل عن ابنه الشهيد ، وبمجرد أن أعلن استشهاد القيادي "بهاء أبو العطا وزوجه"، أسرع بالاتصال بزوجته ليسأل عن "ابراهيم" فأخبرته أنه بخير، ورغم ذلك لم يطمأن قلبه.

 

مضت الدقائق بثقلها، ومازال " أبو بكر" عاجزاً عن تبليغ شقيقه، ففي كل مرة يمسك بها الهاتف ويكتب رقم البيت ثم يعاود مسحه، حتى تفاجأ برنين الهاتف، اذ أن المتصل شقيقه، لم يتمالك نفسه حينها لكنه تشجع وفتح الاتصال، ليسمع صوت شقيقه مضطرباً " طمني يخو على ابراهيم"، صمت قليلاً واخبره ان ابراهيم استشهد.

 

وتساءل والد الشهيد:" ابراهيم حبيبي استشهد، كنت حاسس أنه حيصير اله اشي، قلبي ما كان مطمنى"، واصر على ان يقطع رحلة علاجة ويعود الى قطاع غزة ليلقي نظرة الوداع على ابنه الشهيد.

 

يقول "أبو بكر":" لم نستطيع دفن ابراهيم دون أن يودعه والده، وبالفعل تمكنا بعد عدة محاولات وبالتواصل مع الجهات الرسمية تسهيل عودة والدة الى القطاع"، مستدركاً:" رغم أن طريق السفر صعب، لكن والده تغلب على مرضه وقاوم حتى وصل ليدفن ابنه الشهيد بيديه".

 

وفى حضرة الوداع، كانت زوجة الشهيد تُركز النظر تجاه باب المنزل،  وكأنها تنتظر ان يخرج "ابراهيم" لها من بين الجموع الحاضرة، يمازحها كعادته ، يلوح لها بيديه انني بخير يا امي وان كل شيء على ما يرام، لكنها ارادة الله ومشيئته ولا راد لقضاء الله فما كان منها الا ان استرجعت واحتسبت ابنها شهيد راجية ان يجمعها الله به في مستقر رحمته  .

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق