غزة/ دعاء الحطاب:
بينما كان الليل يلبس ثيابه السوداء، والسماء ملبدةٌ بالطائرات الإسرائيلية، ولا صوتٌ في الأرجاء أعلى من صواريخها، وأخبارٌ تفيد بأن هناك حديثاً عن وقف إطلاق للنار، كانت هذه الساعات طويلة على سكان قطاع غزة كحلم سجين ينتظر حريته، فجميعهم يترقبون حلولها دون كارثة تفجع قلوبهم، لكونهم يدركون مدى دموية الاحتلال باللحظات الأخيرة في كل عدوان.
وقبل ساعات معدودة من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تعمد الاحتلال خداع المدنيين بهدوء كاذب، ليباغتهم بجريمة راح ضحيتها ثمانية أفراد من عائلة أبو ملحوس (السواركة)، بأربعة صواريخ أطلقتها طائرات حربية إسرائيلية حولت منزلين متواضعين إلى "قبر جماعي"، اختلطت فيه الدماء بالأشلاء والرمال، وحتى بعض الخراف التي كان يعتاش أحد الشقيقين من التجارة بها.
أربع حفر عميقة في الأرض، هي كل ما تبقى من منزل عائلة "السواركة" في دير البلح وسط قطاع غزة بعد استهدافه.
إبادة جماعية
رئيس الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني صلاح عبد العاطي، أكد أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد ارتكاب مجازر بحق العائلات الفلسطينية منذ العدوان الإسرائيلي الأول على قطاع غزة عام 2008-2009 وحتى التصعيد الأخير، حيث بلغ عددها 147 مجزرة بحق عائلات فقدت على الأقل ثلاثة من أبنائها ويزيد، كان آخرها مجزرة عائلة السواركة.
وأضاف عبد العاطي لـ"الاستقلال"، أن الاحتلال خلال تصعيده الأخير على غزة ارتكب عدة مجازر (عائلة أبو العطا، وعبد العال، وعياد، وعائلة السواركة)، لافتاً الى أن أخطر تلك المجازر هي المجزرة التي لحقت بعائلة السواركة، حيث أدت إلى استشهاد ثمانية من أبناء العائلة من بينهم خمسة أطفال وسيدتان، إضاقة الى إصابة باقي افراد العائلة البالغ عدد 12 بإصابات طفيفة ومتوسطة.
وأوضح أن 96عائلة مسحت من السجل المدني خاصة في عدوان عام2014، بعد استشهاد عشرة شهداء فأكثر من أبنائها دفعة واحد، مبيناً أن المجازر المرتكبة بحق العائلات تعد جرائم حرب ترتقي لمستوى عمليات تطهير عرقي وإبادة جماعية، وفق اعتبارات ميثاق روما المؤسس لمحكمة الجنايات الدولية ووفق معايير قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف.
وبين أن "إسرائيل" تتحلل من كافة التزاماتها بموجب القواعد الدولية التي تقتضي منها مسألة التماثل باستخدام القوة و التمييز ما بين المدنيين وغيرهم، أو استخدام مبدأ الضرورة العسكرية، الأمر الذي يتطلب المسألة والملاحقة لدولة الاحتلال وقادتها كمجرمي حرب من قبل المجتمع الدولي.
وشدد على ضرورة أن تقوم الحكومة الفلسطينية بإحالة تلك الجرائم لمحكمة الجنايات الدولية والبدء باستخدام مبدأ الولاية القضائية الدولية والسعي الجاد لتوفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين، منعاً لارتكاب مجازر جديدة بحق العائلات الفلسطينية.
ولفت إلى أن عدم تعرض "إسرائيل" للمحاسبة والمحاكمة الدولية ، والصمت الدولي ضد ما ترتكبه من جرائم حرب بحق العائلات الفلسطينية والمدنيين، يشجعها على شن عدوان جديد على الفلسطينيين والاستمرار باقتراف المزيد من الجرائم بحقهم.
احصائيات صادمة
ويُظهر رصدٌ لتاريخ استهداف قوات الاحتلال للعائلات الفلسطينية في قطاع غزة -بالاستعانة بعدد من الإحصاءات والوثائق التي صدرت بهذا الصدد أن " إسرائيل" استهدفت أكثر من 133 عائلة فلسطينية في غزة بالقصف الجوي والبري والبحري منذ عام 2006 وحتى الأسبوع المنصرم، خلفت 692 شهيدا.
وشهدت فترة الحروب الثلاثة التي شنتها "إسرائيل" ضد غزة في أعوام 2008، 2012، و2014، وقوع العدد الأكبر من المجازر بحق العائلات.
وتعرضت 17 عائلة من غزة للإبادة - خلال الفترة المذكورة - باستشهاد عشرة شهداء فأكثر من أبنائها دفعة واحدة، أدت إلى شطب أُسر كاملة من السجل المدني الفلسطيني.
كما تعرضت 8 عوائل فلسطينية للاستهداف الإسرائيلي بشكل مُتكرر لأكثر من مرة على فترات زمنية مختلفة.
ولمحافظة غزة النصيب الأكبر من المجازر بحق العائلات الفلسطينية في قطاع غزة، حيث تعرضت 38 عائلة منها، لارتكاب مجازر بحقها، تليها محافظة شمال غزة بـ37 عائلة، ثم رفح بـ36 عائلة، فخانيونس بـ14 عائلة، وأخيراً الوسطى بـ8 عائلات.
أبرز مجازر العائلات
ومن أشهر المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال ضد العائلات في غزة، كانت في صيف عام 2006، حين أطلقت بوارج البحرية الإسرائيلية عدداً من القذائف تجاه شاطئ بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، أصابت عائلة "غالية" التي كانت تستجم على شاطئ البحر، وعددها 9 أفراد، ما أدى لإبادتها بالكامل باستثناء الطفلة "هدى" التي التقطتها صور الكاميرات وهي تصرخ على فقدان والدها وعائلتها.
وفي تشرين ثاني/نوفمبر من نفس العام، فتحت المدفعية الإسرائيلية نيران قذائفها تجاه حي سكني يقع على الشريط الحدودي، شرق بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، مُخلّفة 19 شهيداً من عائلة "العثامنة" نصفهم من الأطفال.
ومن أبرز العائلات التي تعرضت للمجازر خلال الحروب الإسرائيلية ضد غزة: عائلة "السموني" من حي الشجاعية، والتي فقدت 29 شهيداً من أبنائها دفعة واحدة في يناير/كانون ثاني 2009، إلى جانب عائلة "أبو جامع" التي فقدت 26 شهيداً في خانيونس جنوب غزة عام 2014.
كما فقدت عائلة "الداية" من حي الزيتون بمدينة غزة 22 شهيداً في يناير/كانون ثاني 2009، وعائلتا "النجار" و"أبو جبر" فقدت كل منهما 20 شهيداً في يوليو/تموز 2014.
وفيما يُعرف بـ" الجمعة السوداء" في رفح، بتاريخ الأول من أغسطس/آب خلال حرب 2014، استشهد أكثر من 200 فلسطيني بقصف مدفعي إسرائيلي استهدف مدينة رفح جنوب قطاع غزة، حيث فقدت 23 عائلة ثلاثة أفراد فأكثر من أبنائها خلال القصف.
ويقول الفلسطينيون إنهم لا يتوقعون أن يتوقف مسلسل الاستهداف للعائلات الفلسطينية، في ظل غياب أي مساءلة من قبل المجتمع الدولي لإسرائيل على ما ترتكبه ضد الفلسطينيين.


التعليقات : 0