غزة/ دعاء الحطاب:
شهد عام 2019 ارتفاعاً ملحوظاً بوتيرة التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، بأشكال متعددة، من خلال مشاركات إسرائيلية رسمية سياسية واقتصادية وثقافية ورياضية في تلك البلدان، كما اقتربت "إسرائيل" من الحصول على ضمانة من كثير من العرب بتخليهم عن منطق المواجهة العسكرية واستعداد جلّهم للتعايش معها، كما يتفاخر بذلك رئيس وزراء الاحتلال المؤقت بنيامين نتنياهو.
وتعكس اللقاءات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين عرب رغبة من الطرفين برؤية علاقات تُنهي حالة "العداء" بينهما، دون أن يكون الفلسطينيون جزءاً منها، بعد ترسيخ واقع عزل المسار الفلسطيني عن المسار العربي، والقبول بدمج "إسرائيل" في منطقة الشرق الأوسط كقوة فاعلة.
مشاركات رسمية
ولم تعد "تل أبيب" تتحدث عن علاقاتها ببعض دول الخليج بنوع من السرية، بل باتت تستغل أي خطوة معها لإعلانها عبر وسائل الإعلام، وسط غياب النفي العربي لذلك.
كان آخر تلك الخطوات ما أعلنته وزارة الخارجية الإسرائيلية، الأحد (1 ديسمبر 2019)، عن أن وفداً رسمياً إسرائيلياً يزور دبي لحضور اجتماع تحضيري للمشاركين الدوليين في معرض "إكسبو 2020"، الذي من المقرر أن يقام بين 20 أكتوبر 2020 و10 أبريل 2021.
وجديد تطور العلاقات الإسرائيلية الإماراتية ما قاله بنيامين نتنياهو، الأحد (10 نوفمبر 2019)، حول إقامة بلاده علاقات مع ست دول عربية على الأقل، مؤكداً أن وتيرة التطبيع مع "الدولة العبرية" تتقدم وتأخذ منحىً تصاعدياً، وذلك على هامش تأكيد مشاركة بلاده في معرض "إكسبو دبي".
وصرح زير خارجية الاحتلال الإسرائيلي، في 6 أغسطس 2019، بأن زيارة علنية أجراها إلى الإمارات، مطلع يوليو الماضي، كانت بهدف التطبيع علناً مع دول خليجية والمشاركة في حماية الملاحة بالخليج، وذلك بدعم كامل من نتنياهو.
ولعل أبرز مظاهر عملية التطبيع التي لم تخفَ على أحد، خلال عام 2019، الزيارات المتبادلة المعلنة بين قيادات إسرائيلية وأخرى عربية، وخصوصاً زيارة نتنياهو، لسلطنة عمان في أكتوبر الماضي، وزيارة وزير خارجية الاحتلال إلى الإمارات في يونيو الماضي.
غزل تطبيعي متبادل
ورحب نتنياهو في (21 ديسمبر)، بـ"التقارب الحاصل بين "إسرائيل" وكثير من الدول العربية"، في إقرار من رأس الكيان بتصاعد مظاهر التطبيع بين الجانبين.
وأوضح نتنياهو في تغريدة كُتبت باللغة العربية، على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، أنه "آن الأوان لتحقيق التطبيع والسلام". وفق تعبيره.
وتأتي تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته، تعليقاً على تغريدة لوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، الذي شارك على حسابه مقالاً بعنوان "إصلاح الإسلام: تحالف عربي- إسرائيلي في طور التشكُّل بالشرق الأوسط".
التطبيع الرياضي والإعلامي
ولم يقتصر التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي على المجال السياسي، بل شهد تطورا سريعا ليتعداه إلى التطبيع الرياضي، وفي حلقة جديدة من مسلسل التطبيع الرياضي العربي مع الكيان، استقبلت دولة قطر وفدا رياضيا إسرائيليا مكون من خمسة لاعبين، للمشاركة في بطولة العالم لألعاب القوى، المقامة في الدوحة، بتاريخ 27 سبتمبر 2019.
كما احتفلت قطر بفوز "إسرائيل" في بطولة كأس العالم للجمباز، التي تمت إقامتها في العاصمة القطرية الدوحة مارس الماضي، وعزفت النشيد الإسرائيلي ورفعت علم الاحتلال في البطولة.
وفي 15 أكتوبر 2019، التقي المنتخبان الفلسطيني والسعودي، في مباراة ودية على الأرض الفلسطينية المحتلة، ضمن التصفيات المزدوجة لكأس العالم 2022 وكأس آسيا 2023، وهو ما يعد خرقاً للمقاطعة العربية للاحتلال الإسرائيلي من خلال الدخول للأراضي الفلسطينيّة بإذن منه.
وفي 27 نوفمبر 2019، استضافت وزارة خارجية الاحتلال الإسرائيلي، وفدا إعلاميا ومدونين من دول عربية، بينها دول من الخليج (لم تسمها)، ومن العراق أيضا، حيث قاموا بجولة سياحية وثقافية، واطلعوا على مشروع السكك الحديدية الذي تنوي "إسرائيل" إنشاءه للربط مع دول المنطقة.
أمن الخليج!
وبات أمن الخليج وحمايته من ما يسمى "المخاطر الإيرانية" نقطة جديدة في التطبيع، وتتصدر المنامة هذه المحاولات، فيما تبدو محاولة من الإمارات والسعودية في جعلها الواجهة لتخفيف حدة الغضب العربي.
حيث استضافت البحرين، خلال يومي 21- 22 أكتوبر 2019، "مؤتمراً بشأن الدفاع عن حرية الملاحة في الخليج"، ويأتي هذا المؤتمر متابعة لمؤتمر وارسو الذي بادرت إليه الإدارة الأمريكية قبل أشهر، وتشارك فيه -بالإضافة إلى الولايات المتحدة والبحرين- 60 دولة، أبرزها السعودية والإمارات وأستراليا وبريطانيا.
وفي أغسطس الماضي، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن بلاده ستشارك في المهمة الأمنية والاستخبارية البحرية في الخليج العربي.
وفي يوليو الماضي، أعلنت واشنطن أنها تسعى إلى تشكيل تحالف عسكري في غضون أسابيع، بادعاء حماية المياه الاستراتيجية في الخليج.
التطبيع على أشده
ومن جانبها، أكدت عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية د. مريم أبو دقة، إن عام 2019 شهد تطاول ومساس الدول العربية وخصوصاً الخليجية على فلسطين وثوابتها الأصيلة من خلال إعلانهم عن علاقات تطبيعيه طبيعية مع الاحتلال الإسرائيلي.
وقالت أبو دقة خلال حديثه لـ"الاستقلال":" في الوقت الذي يتغزل به الاحتلال بالعلاقات الطبيعية والجيدة مع الدول العربية، تتبجح بعض الدول الخليجية بعلاقاتها مع "إسرائيل" والوصول الى أشد مراحل التطبيع، مما يشجعه على ارتكاب المزيد من الجرائم بحق الفلسطينيين وصولاً لتصفية القضية".
وأوضحت أن الإدارة الأمريكية استغلت حالة الضعف العربي والصراعات الداخلية للدول العربية والتبعية العربية للولايات المتحدة الامريكية، من أجل إحداث مقاربة مع "إسرائيل" بشتي الوسائل وعلى كافة الأصعدة "السياسية، الرياضية، الإعلامية، الثقافية".
وبينت أبو دقة، أن الأنظمة العربية المهرولة نحو التطبيع مع "إسرائيل"، تعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على حمايتها، خاصة الأنظمة التي تخاف من الإطاحة بها من أي تهديد داخلي أو خارجي، في حين أن الحقيقة هي أن "إسرائيل" لن تحرس أحداً، وهي تريد حماية نفسها، وستضحي بالعرب من أجل نفسها وشعبها.
ارتفاع ملحوظ
وبدوره يري عضو المكتب السياسي لحزب الشعب خالد منصور، أن استمرار بعض الدول العربية بمسلسل التطبيع وإقامة علاقات مع قادة الاحتلال الإسرائيلي، الذين أجرموا بحق الفلسطينيين ونفذوا أبشع المجازر بحقهم، "خدمة مجانية للاحتلال لشن حرباً ضروساً ضد الفلسطينيين وانتهاك كل محرم ومقدس".
وأوضح منصور خلال حديثه لـ"الاستقلال"، أن عام 2019 شهد تكثيفاً وارتفاعاً ملحوظاً في التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي على الصعيد الرسمي، الأمر الذي جعل دائرة التطبيع تتسع وفتح الباب أمام الجهات غير الرسمية في بالدول العربية لإقامة علاقات طبيعية مع الاحتلال، من خلال استقبال الوفود الإسرائيلية "الثقافية والتنموية والرياضية والاعلامية".
وبين أن لجنة التواصل المجتمعي المنبثقة عن السلطة الفلسطينية، كانت أخطر أشكال التطبيع العربي في عام 2019، كونها شجعت الدول العربية للهرولة نحو التطبيع مع "إسرائيل" بشكل علني، لافتاً الى أنه اذا ما اتخذت القيادة الفلسطينية قرارا بإيقاف عمل تلك اللجنة ستكون ضربة قاضية لكل الجهات المطبعة التي جعلت من اللجنة شماعه للتطبيع.
ونوّه الى أن أبرز معالم التطبيع في عام 2019، أن الإدارة الامريكية وضعت ثقلها وتمويلها من أجل تشجيع العلاقة ما بين "إسرائيل" والدول العربية.
وأوضح أن العلاقات التطبيعية التي تنسجها الأنظمة العربية تحمل أهدافاً عدة وجميعها خبيثة، أبزرها تقديم « إسرائيل » كجزء أصيل ودولة طبيعية في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي تصبح الرواية الإسرائيلية مقبولة وتنفي الوجود الفلسطيني، كما يضرب المقاومة التي ترفض الاعتراف بالوجود الإسرائيلي وتنادي بزوالها.
وأشار إلى ان الخطورة في التطبيع عام 2019، هي تحول نظرة بعض الدول العربية لدولة الاحتلال من عدو إلى حليف، باعتبار اللقاءات التطبيعية معه أمراً طبيعياً.
وبالرغم من استمراء العديد من الأنظمة العربية وفي مقدمتها الخليجية منها التعامل مع الكيان الإسرائيلي باعتباره جزءاً طبيعيا من المنطقة إلا أن الشعوب العربية قاطبة لا زالت تنظر إليه (الكيان) باعتباره عدواً مركزياً للأمة يجب التخلص منه والقضاء عليه، وهو ما أكدته عديد المواقف والدلائل خلال الفترات السابقة.


التعليقات : 0