غزة / دعاء الحطاب:
يوم يتلوه شهر ثم أعوام تمضي وكأن دقائقها دهر بأكمله، فمنذ عام 2002 لم ير سوى ظلم وقهر السجان الذي سعى بكل ما لديه لإخضاعه وكسر عزيمته، حتى بات كهلاً ينهش المرض والأوجاع جسده الضعيف، ليُلقب فيما بعد بـ"الجنرال العجوز" و "الأسير الكهل" و"شيخ الاسرى"، كونه أكبر الاسري الفلسطينيين تقدماً بالسن في سجون الاحتلال الاسرائيلي. حياة الأسير فؤاد الشوبكي (80عاماً) باتت على المحك، بعد أن وصل حالة صحية متردية، وبات عاجزاً عن خدمة نفسه بعد رفض مصلحة سجون الاحتلال توفير العناية الطبية له.
والأسير الشوبكي لواء في جهاز الأمن العام التابع للسلطة الفلسطينية، ومستشار مالي سابق للرئيس الراحل ياسر عرفات، ويعد من الجيل الأول لحركة فتح.
واعتقل عام 2002 في رام الله بتهمة "تهريب وتمويل سفينة أسلحة كارين إيه"، ونقل إلى سجن أريحا برقابة بريطانية وأمريكية، لكن وبعد اعتقال دام نحو أربع سنوات، اقتحم جيش الاحتلال السجن واختطفته، وأصدر بحقه حكماً بالسجن مدة 17 سنة، قضى منها 14 سنة.
صرخة أسير
بعد 14عاما أمضاها الشوبكي في سجون الاحتلال الصهيوني، ذاق خلالها العذاب أشكالاً وألواناً، إضافة للأوجاع والآلام التي تنهش جسده نتيجة اصابته بمرض السرطان والضغط، والمعاناة الكبيرة التي يكابدها جراء استئصال إحدى كليتيه، خط بقلمه رسالة تنثر أوجاعه بين حروفها، لعلها تيقظ ضمائر القيادة الفلسطينية للضغط على حكومة الاحتلال لانتشاله من موت قد يكون قريبًا.
وجاء في رسالته:" أخاطبكم اليوم بصفاتكم الشخصية والإنسانية موجهًا لما تبقى من ضمير إنساني لديكم، فربما تستيقظ فيكم مشاعر الإنسانية. أيها السادة.. لقد أثبتت الأيام والشهور والأعوام السابقة بأن ما زرعناه فيكم وفي ضمائركم لم ينفع معكم قط, فقد كنت السند وقت الأزمات، وكنت الصديق لصغيركم وكبيركم وقت الشدائد والصعاب، وكنت الأخ وقت فقدانكم لعزيز وغال، وكنت المعين لكم وقت الحرب ووقت السلم.. ولم أبخل عليكم قط بما أُتيح لي
واليوم وبعد معاناة في زنازين الذل والهوان وبعد أن تجاوزت من العمر عتيا وبعد أن هدني المرض والتعب حتى أصبحت لا أقوى على القيام أو القعود بدون مساعدة. أما آن لكم أن تذكروني ولو معنويًا أثناء اجتماعاتكم وجلساتكم. أليس منكم من هو حافظ للجميل بأن يسأل عني أو يطالب القيادة بالحراك الشعبي والدولي لإطلاق سراحي!
لا أستجدي منكم الرحمة أو العطف، ولكني أمد إصبع الاتهام لكم. لقد خذلتموني أيها السادة وبخذلانكم لأسراكم ستبيعون الوطن للحفاظ على مكتسباتكم الوقتية. لا تنسوا بأنكم لم تحققوا شيئًا خلال تلك الأعوام المنصرمة وما عادت قضيتنا مركزية، بل أصبحت قضايانا تنصب على الكراسي والمناصب والمكاسب.
أيها السادة.. إن لم يكن أسراكم أولى أهدافكم ولُحمتنا من ضمنها، فعارُ عليكم أن تتبوأوا مناصب لستم أهلا لها. فلا أفاق حرية لهذا الوطن في ظلكم. إن لم تنصروا الأسرى وتناصروهم فأعلموا بأنني الشهيد القادم على مذبح الحرية".
تدهور صحته
"إذا لم يتم التحرّك عاجلاً لإنقاذ والدي، قد يكون الشهيد المقبل"، بتلك الكلمات عبر حازم الشوبكي عن مدى خطورة الوضع الصحي لوالده في سجون الاحتلال.
وقال نجل الأسير الشوبكي خلال حديثه لـ"الاستقلال":" والدي رجل مسن يصارع السرطان وغيره من الامراض في سجن النقب الاسرائيلي، ويعيش على المسكنات فقط، ومن الممكن أن يموت في أي لحظة، خاصة في ظل الإهمال الطبي الذي تمارسه إدارة السجن بحقه".
وأوضح أن والده يعاني من ضعف شديد في البصر، ولديه مشاكل في معظم أجهزة الجسم الحيوية، وبطء في الحركة، إضافة الى أنه يعجز عن خدمة نفسه، الأمر الذي دفعه لتوجيه رسالة، أكد فيها أنه "لم يعد قادراً على تحمّل الوضع الصحي الذي يعيشه في ظروف السّجن الصعبة".
وأشار الى أن سلطات الاحتلال سمحت لمحامي وزارة الأسرى يوم الجمعة الماضي بزيارة والده، لافتًا إلى أن المحامي أخبرهم أن حركة والده باتت أكثر بطأ من قبل، وحالته الصحية في تدهور مستمر، بفعل الإهمال الطبي المتعمد بحقه.
بدون جدوى
وبين أن العائلة قدمت ثلاثة استئنافات لمحكمة الاحتلال العليا للإفراج عن والده بحكم قضائه أكثر من ثلثي المدة وتدهور وضعه الصحي، إلا أن الطلبات قُوبلت بالرفض من قبل سلطات الاحتلال، بل وتصرّ على الانقلاب بقسوة على حالته الطارئة والملحّة، ضاربة عرض الحائط بكل الأعراف والقيم الإنسانية.
ونوه الى أن وزارة الأسرى قدّمت تقريرًا مفصلا للرئيس محمود عباس، للضغط على الاحتلال الإسرائيلي من أجل الإفراج عن "شيخ الأسرى"، وأرسل الرئيس بدوره تقريرًا إلى الاتحاد الأوروبي ومصر والأردن للضغط من أجل ذلك.
وكانت محكمة الاحتلال أصدرت قرارًا في 20 نوفمبر/ تشرين ثاني المنصرم، برفض طلب إعادة النظر في إطلاق سراحه؛ مدّعية "خطورة قضيته وعدم إبدائه النّدم".
وطالب الشوبكي السلطة الفلسطينية والفصائل كافة للإسراع في إنقاذ والده، والضغط على الاحتلال للإفراج عنه، مشدداً على ضرورة تفعيل الحراك الرسمي والفصائلي والشعبي مع قضية والده بمستوى يرتقي لنضاله وتضحياته.


التعليقات : 0