غزة/ قاسم الأغا:
فَتحت واقعة اغتيال الولايات المتحدة الأمريكيّة لقائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، باب التساؤل حول سيناريوهات الردّ المتوقعة من طهران؛ وتداعيات ذلك على المنطقة.
ورأى محلّلان مختصّان بالشأن السياسي أن الضربة الجوية التي نفّذتها واشنطن بالعاصمة العراقية بغداد، وأودت بحياة «سليماني»، ومسؤولين عسكريين آخرين، إيرانيين وعراقيين، سيدفع إيران للرد، لكن دون الانجرار نحو حرب عسكرية مفتوحة.
وأجمع المحلّلان في حديثَين منفصلَين لصحيفة «الاستقلال» على أن اغتيال «سليماني» يشكّل مصلحة مشتركة بين الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب»، ورئيس حكومة الاحتلال (منتهي الولاية) «بنيامين نتنياهو»، اللذَين يواجهان أزمات داخلية، مع اقتراب كل منهما إلى مرحلة الانتخابات، والبدء بالتحضيرات للدعاية الانتخابية.
وفجر الجمعة، اُغتِيل "سليماني"، وأبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، و8 آخرين برفقتهما، في قصف جويّ أمريكي استهدف سيارتين كانوا يستقلونها على طريق مطار بغداد.
ولاقت جريمة الاغتيال ردود فعل "متباينة"، ففي مقابل صمت عربي وخليجي رسميّ، وسط مطالب دولية بضبط النفس، كانت الدعوات العراقية بدحر الجنود الأمريكيين البالغ عددهم نحو 5 آلاف يحتلّون قواعد عسكرية بأرجاء العراق؛ بذريعة محاربة "الإرهاب".
ضغوط داخلية
ورأى الكاتب والمحلل السياسي حسن لافي، أن جريمة اغتيال أمريكا لقائد فيلق القدس لا يمكن عزلها عن الضغوطات التي يتعرض لها الرئيس الأمريكيّ "دونالد ترمب"، لا سيما بعد محاولات مجلس النواب بالكونغرس إزاحته، وقرب انتهاء ولايته الرئاسية الأولى، وتحضيراته لحملة الانتخابات، المقررة بتشرين الثاني(نوفمبر) المقبل.
وقال لافي لصحيفة "الاستقلال": "كان من الواضح أن ترمب يبحث عن هدف؛ لتصدير أزمته الداخلية نحو الخارج"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى انتهاج الرئيس الأمريكي لمسلسل الاغتيالات، إذ سبق اغتيال "سليماني، تصفية زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي شمالي سوريا، بتشرين الأول (أكتوبر) الفائت.
وأضاف أن تركيز الإدارة الأمريكية على سلسلة الاغتيالات يأتي من منطلق بحث "دونالد ترمب" عن ما يعتقد أنها "إنجازات"؛ لتقديمها للناخب الأمريكي.
ولم يستبعد الكاتب والمحلل السياسي تورّط "أيادٍ إسرائيلية" في جريمة اغتيال المسؤول العسكري الإيراني، خصوصًا مع حاجة رئيس حكومة الاحتلال "بنيامين نتنياهو" للبحث عن "إنجاز كبير"، في خضمّ الانتخابات "الإسرائيلية" الثالثة المقبلة.
وتابع أن "نتنياهو" صاحب تأثير قوي على "ترمب"، "وهذا ما كان واضحًا عند تباهي الأول بأنه صاحب التأثير الأقوى وراء انسحاب الولايات المتحدة (عام 2018) من الاتفاق النووي مع إيران".
وعن مستقبل المنطقة عقب الجريمة الأمريكية، وصفه لافي بأنه "غير واضح"، مستبعدًا "انجرار طهران نحو حرب مفتوحة مع واشنطن".
واستدرك: "لكن من المؤكد أنه سيكون هناك ردود فعل إيرانية"، مبينًا أن حديث المسؤولين الإيرانيين عن إنهاء الوجود الأمريكي بالمنطقة يعني أن حرب الاستنزاف طويلة ستشمل ساحات متعددة لتحقيق ذلك، سواء في العراق أو الخليج أو أفغانستان وغيرها من المناطق التي يطالها النفوذ الإيراني.
احتمالات عدّة
واتفّق الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون، مع سابقه، حول صعوبة التوقع إلى أين ستتجه مجريات الأحداث بالمنطقة بعد الجريمة الأمريكية في العراق.
لكنّ المدهون وفي حديث لصحيفة "الاستقلال" نوّه إلى أن الاحتمالات في هذا الصدد "مفتوحة"، على حد تعبيره.
وقال: "من بين الاحتمالات أن تردّ إيران بشكل يوازي ويُكافئ عملية الاغتيال"، لافتًا في الوقت ذاته إلى استبعاده هذا الاحتمال، "فطهران دولة ذات ثقل، ولديها حساباتها، وليست قائمة على ردود الأفعال، بل تعمل على خط استراتيجي واضح وطويل الأمد، أي أنها ستعمل على تعزيز حضورها بالمناطق الواقعة تحت نفوذها".
وأضاف: "إيران لن تمرّر هذه الجريمة، لكن اعتقد أنها ستتجه إلى استثمار الحدث والاستفادة منه، وتعزيز حضورها، وبثّ الرسائل المباشرة وغير المباشرة لأمريكا، دون اتخاذ ردود أفعال عسكرية وأمنيّة سريعة والدخول في مواجهة مفتوحة معها".
وذكر أن ما قد يعزّز ذلك "إدراك طهران لخطورة دخولها بالمواجهة المفتوحة، خصوصًا مع عدم ملاءمة الواقع الدولي والإقليمي المساعد لها".
وبيّن أن الجريمة الأمريكية في بغداد "سترفع من منسوب التوتر بالمنطقة، دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة".
ورأى أن توقيت اغتيال "سليماني" يحمل أبعادًا انتخابية لدى كل من "ترمب"، و"نتنياهو"، أمام ما يواجهانه من أزمات داخلية، بالإضافة لإظهار أنهما "أقوياء".
وكانت الجمعية العامة لمجلس النواب الأمريكي بـ 18 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، صوّتت على تهمتين ضد "ترمب"، هما "إساءة استغلال السلطة"، و"عرقلة عمل الكونغرس"، وجرى على إثر ذلك إرسال ملف القضية إلى مجلس الشيوخ للبتّ في عزله.
ومن المتوقّع أن تبدأ أولى جلسات نظر ومناقشات مجلس الشيوخ حول هذا الملف خلال شهر كانون الثاني (يناير) الجاري.
ويقود الديمقراطيون بمجلس النواب الأمريكي تحقيقًا باستغلال "دونالد ترمب" سلطته الرئاسية عبر الضغط على أوكرانيا لفتح تحقيق ضد أحد الخصوم السياسيين، في حين يرفض "ترمب" تلك الاتّهامات، عادًّا إياها محاولة "انقلاب ضده"، متوعدًّا في الوقت ذاته بالانتقام من "الديمقراطيين" في الانتخابات القادمة.
وأشار الكاتب والمحلل السياسي إلى أن الإدارة الأمريكية استطاعت استغلال الوقت والتحريض الإقليمي والعربي على قاسم سليماني؛ للرد على إسقاط إيران للطائرة الأمريكية المسيرة التي اخترقت مجالها الجوي منتصف حزيران (يونيو) الماضي، واستهداف منشآت النفط (أرامكو) السعودية مؤخرًا، وفق مزاعم "واشنطن".
وعقب جريمة اغتيال "سليماني"، قالت وزارة الحرب الأمريكية إن الاغتيال جاء بناء على توجيهات من الرئيس "دونالد ترمب".
وزعمت الوزارة أن "سليماني كان يعمل على تطوير خطط لمهاجمة الدبلوماسيين والموظفين الأمريكيين في العراق والمنطقة"، فيما توعدت إيران الولايات المتحدة بـ"انتقام مؤلم".


التعليقات : 0