آخرهم شهداء دير البلح 

احتجاز جثامين الأطفال.. جريمة "اسرائيلية" مكتملة الأركان

احتجاز جثامين الأطفال.. جريمة
فلسطينيات

غزة/ دعاء الحطاب:

بينما كانت السماء ملبدة بالغيوم والأمطار تتساقط على الأرض، كان الفتية « محمود سعيد، ومحمد أبو منديل، وسالم النعامي»، يشقون عتمة الليل بخطوات هادئة متعثرة في إحدى الأراضي الزراعية القريبة من الحدود الشرقية لدير البلح وسط قطاع غزة، وتارةً أخرى يتبادلون أطراف الحديث بضحكاتٍ تملأ الأرجاء. 

 

لكن فجأة، ودون أسباب واضحة، علت أصوات مكبرات الصوت من قبل جيش الاحتلال المتواجد بالمنطقة مطالبا الفتية بنزع ملابسهم ورفع أيديهم إلى الأعلى، والتقدم نحو الأمام، ليتم استهدافهم بشكل مباشر برشاشات المدافع، بزعم محاولتهم التسلل لمهاجمة الجنود في المنطقة.

 

ولم يكتف الاحتلال بجريمة إعدام الأطفال الثلاثة، فأعلن الأربعاء الماضي، مصدر أمني صهيوني كبير احتجاز جثامينهم " وأنه لا توجد نية لتسليمهم في الوقت الذي توجهت فيه عائلة الضابط الصهيوني "هدار غولدين" بطلب لوزارة الجيش الإسرائيلي بعدم تسليم الجثامين".

 

وكان جيش الاحتلال ادعى أن "الفتية تسللوا مسافة 400 متر باتجاه الشرق، وأطلقوا قنبلة يدوية، وهو ما رد عليها الجيش بإطلاق النار عليهم من رشاش إحدى دباباته، فاستشهدوا على الفور".

 

وفي المقابل أكد شهود عيان من الأهالي في محيط المكان أن ما جرى بحق الفتية كان جريمة إعدام، وقد نفوا مزاعم الاحتلال بشأن إلقاء قنبلة أو عبوة ناسفة صوب الجنود.

 

الحادثة بسطور

 

وفي ساعات المساء من يوم الثلاثاء الدامي، وحين بدأ الليل يرخي سدوله، كانت الأجواء هادئة والصمت يُخيم على المنطقة، إذ بصوت رصاصات مدافع الاحتلال تقطع هذا الهدوء لتعدم الأطفال الثلاثة بدمٍ بارد.

 

لم يدُر في مخيلة سيف شقيق الشهيد "محمود سعيد"، أن المجموعة المستهدفة هم ثلاثة فتية لا تتجاوز أعمارهم الـ"18عاما" من بينهم "محمود"، فإعلان جيش الاحتلال عن استهدافه لمجموعة شبان بحجة محاولة تسللهم إلى الأراضي المحتلة عام 1948 ومهاجمة الجنود بقنابل يدوية، حال دون ذلك.

 

وبينما كان "سيف" يقلب التلفاز بين القنوات الإخبارية، انبثق أسفل الشاشة ذلك الشريط الأحمر "عاجل":" الشهداء الثلاثة الذين تم استهدافهم من قبل جيش الاحتلال الليلة، هم محمود سعيد محمد أبو منديل، وسالم النعامي".

 

يقول شقيق الشهيد لـ"الاستقلال":" بعد صلاة العصر محمود طلع مع أصحابه قال بدنا نتمشى شوي كعادته، لكن فقدنا  أثره الساعة الثامنة والنصف وقلقنا عليه وحاولنا ان نتواصل معه عبر الهاتف المحمول هو وأصحابه لكن ما ردوا علينا، بعد دقائق جاء خبر استشهاد ثلاثة شباب بعملية تسلل، الأمر أثار خوفنا قليلا".

 

ويتابع بألم:" بعد ما يقارب نصف ساعة، كنا نتابع  حدث عملية التسلل على التلفاز، فجأة ظهر خبر عاجل يقول تم التعرف على أسماء الشهداء، وهنا كانت الفاجعة فالشهداء هم أطفالنا" محمود، ومحمد، وسالم..!".

 

وأضاف:" توجهنا لمكان الاستهداف لم نجد الشهداء، فأخذنا نسأل سكان المنطقة عما جرى معهم  قالوا" إن الجيش نادى عليهم بمكبرات الصوت و أمرهم خلع ملابسهم والاستسلام، ومن ثم بدأ بإطلاق الرصاص عليهم، ومن ثم حاصرهم وأخذ جثامينهم".

 

وأوضح يوسف أن الصليب الأحمر أخبر العائلة باحتجاز أطفالهم لدى قوات الاحتلال، وأن جيش الاحتلال يرفض إعطاء أي معلومات حولهم وأنه حتى اللحظة لم يتم معرفة مصيرهم ان كانوا شهداء أم أحياء.

 

وتساءل بغضب:" محمود وأصدقاؤه ما كانوا مسلحين ولا بنيتهم يعملوا أي عملية، ليش قتلوهم؟ شو الذنب اللي ارتكبوه ليصير فيهم هيك؟، وين مؤسسات حقوق الانسان عن أطفالنا؟"، مطالباً الصليب الأحمر والمؤسسات المعنية بالكشف عن مصير أبنائهم وإن كانوا شهداء أن يتم تسليم جثامينهم.

 

انتهاك صارخ

 

وبدوره، أكد المختص في القانون الدولي عبد الكريم شبير، أن الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحق الأطفال الشهداء بدير البلح، واحتجاز جثامينهم، جريمة حرب وانتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة، وضرب بعرض الحائط للحماية الخاصة المقررة للأطفال بموجب القانون. 

 

وأوضح شبير لـ"الاستقلال"، أن الاحتلال نفذ جريمة مركبة بحق الأطفال الثلاثة، حيث تعمد اعدامهم ميدانياً بدم بارد بعد محاصرتهم ومعرفة أنهم أطفال، ومن ثم أصدر قراراً باحتجاز جثامينهم، مشيراً إلى أن ذلك يعد انتهاكاً لاتفاقية الطفل التي انشئت عام 1989، ونصت على تجريم اعدام الأطفال ميدانياً واحتجاز جثامينهم.

 

وبين أن الاحتلال في الآونة الأخيرة بات يتعمد الاستهداف المباشر والاعدام الميداني ضد المدنيين الفلسطينيين خاصة الأطفال، بهدف إيصال رسالة رادعة للأطفال وذويهم بالقطاع مفادها:" أن الأطفال باتوا هدفاً استراتيجياً لنا، فابتعدوا عن المقاومة".

 

وحذر شبير من التداعيات الخطيرة المترتبة على احتجاز الجثامين، المتمثلة بـ" استخدامهم كرهائن وورقة ابتزاز سياسي لإجبار المقاومة على اطلاق سراح الاسرى الإسرائيليين لديها في القطاع، وزيادة معاناة ذويهم"، مضيفًا "ما يزيد من خطورة هذا الإجراء أنه موجه ضد أطفال مدنيين.

 

وأكد أن احتجاز الجثامين بشكل عام يخالف قواعد اتفاقية لاهاي واتفاقيات جنيف والتي أكدتا على وجوب تسليم الجثامين".

 

وشدد على ضرورة قيام الحكومة الفلسطينية بتفعيل عضوية فلسطين بالأمم المتحدة، والاتفاقيات الدولية التي تم التوقيع عليها وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة، كذلك تفعيل انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية، لمحاسبة الاحتلال على جرائمه المتكررة بحق أطفال الشعب الفلسطيني، مطالباً السلطة الفلسطينية بالتوجه الى المحكمة الجنائية الدولية و القضاء الدولي لرفع جرائم الاحتلال وملاحقته ومحاسبته.

 

بحسب مراكز حقوقية وإنسانية عاملة في قطاع غزة، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحتجز، منذ 30 مارس الماضي، جثامين 18 شهيداً فلسطينياً قتلتهم على حدود قطاع غزة بدم بارد، وقام جنودها بعد جريمة القتل باختطافهم داخل المناطق المحتلة 1948، وترفض حتى اللحظة تسليمهم لذويهم رغم التدخلات والمناشدات الدولية.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق