غزة/ قاسم الأغا:
شكّلت مشاركة سفراء دول عربية (خليجية) في مؤتمر الإعلان عن "صفقة القرن"، التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" الثلاثاء الماضي، بحضور رئيس حكومة كيان الاحتلال المنتهية ولايته "بنيامين نتنياهو"؛ حلقة جديدة في مسلسل تخاذل وتواطؤ تلك الدول، وأخرى غيرها، مع الصفقة الصهيو أمريكية.
وعدّ سياسيون ومراقبون للشأن الفلسطيني، في أحاديث منفصلة لصحيفة "الاستقلال" أن مشاركة سفراء دول الإمارات، البحرين، عُمَان، بمؤتمر ترمب – نتنياهو بالبيت الأبيض، ومن قبله ورشة المنامة الاقتصادية، يفتح الباب واسعًا أمام تمرير الصفقة، الرامية لتصفية القضية والثوابت الوطنية الفلسطينية.
وخلال مؤتمر الإعلان عن تفاصيل "صفقة القرن"، عبّر " ترمب" علنًا عن شكره لتلك الدول الثلاث التي تنزلق نحو التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، عما وصفه "العمل الكبير الذي قاموا به للمساعدة في صفقة القرن"، دون أن يكشف تفاصيل ذلك.
وعقب المؤتمر؛ اتّسمت مواقف أبرز الدول العربية، لا سيما الخليجية، بالتأييد إمّا العلني أو المبطّن، للصفقة المزعومة، دون إبداء رفض صريح وصارم، بالرغم من "اللاءات" الفلسطينية لها على المستويات كافّة.
موقف دولة الإمارات، تعدى حدود مشاركة سفير البلاد بمؤتمر "ترمب -نتنياهو"، لتعلن عقب انتهاء المؤتمر عبر بيان رسميّ ترحيب "أبو ظبي" بالصفقة المشؤومة، واصفةً إيّاها بـ "المبادرة الجادة".
وعدّت الإمارات بحسب البيان ما أعلنه الرئيس الأمريكيّ "نقطة انطلاق مهمّة للعودة إلى طاولة المفاوضات"، مثمّنة "جهود واشنطن المستمرة للتوصل لاتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين".
وتقاطع موقف المملكة العربية السعودية مع سابقتها، إذ أعربت عن تقديرها لجهود الإدارة الأمريكية لـ "تطويرها خطة شاملة للسلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي".
وأبدت الرياض في بيان رسمي تشجيعها "البدء بمفاوضات مباشرة للسلام بين الجانبين تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية (..) للوصول إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية".
وعلى المنوال ذاته، جاء موقف دولة قطر، التي ثمّنت "مساعي إدارة دونالد ترمب لإيجاد حلول للقضية الفلسطينية والصراع العربي -الإسرائيلي"؛ لكنها أشارت إلى أن تأتي "في إطار الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة".
انحياز وتواطؤ
القيادي في حركة الجهاد الإسلامي خضر حبيب، ندّد بمشاركة أنظمة عربية (خليجيّة) بمؤتمر الإعلان عن "صفقة القرن"، وما تلاه من مواقف "منحازة ومتواطئة"، تصب في إطار تمريرها.
وقال القيادي حبيب لصحيفة "الاستقلال": "إن حركة الجهاد وشعبنا الفلسطيني ندين ونُندّد بمشاركة وتطبيع أنظمة عميلة، تعمل لخدمة الاحتلال والإدارة الأمريكية وأعداء الأمة، على حساب مصالح القضية الفلسطينية والأمة العربية والإسلامية".
ووصف ما تنتهجه تلك الأنظمة بـ "الخيانة العُظمى والخطيرة"، التي تستوجب المحاكمة والعقاب، مضيفًا: "التاريخ لن يغفر لها، وستحاسبها الأجيال القادمة؛ لأنها (الأنظمة) صنّفت ووضعت نفسها في خانة الأعداء للأمة كافّة، وللقضية المركزية لهذه الأمّة، ألا وهي القضية الفلسطينيّة".
ودعا القيادي بالجهاد إلى تشكيل جبهة عريضة من شعوب الأمّة العربية والإسلامية؛ "لفضح هذه الأنظمة الخائنة، ورفض كل أشكال الهرولة نحو التطبيع مع الاحتلال وأعداء الشعب الفلسطيني وثوابت القضيّة العادلة".
جديدة قديمة
من جهته، رأى الكاتب والمحلّل السياسي مصطفى الصوّاف، أن "الانحياز والتواطؤ" (علنًا أو سرًّا) من أنظمة عربيّة إزاء "صفقة القرن"، حالة "جديدة -قديمة"، وفق تعبيره.
وقال الصوّاف لصحيفة "الاستقلال": "إن غالبية الأنظمة العربية خائنة ومتواطئة، فهي التي صفَّت وباعت القضية الفلسطينية، وتآمرت على الشعب الفلسطيني، بعد أن اعترفت بالكيان الصهيوني"، متسائلًا: "أليس مؤتمر القمة العربية المنعقد عام 2002، كان من شروطه الاعتراف بالكيان الصهيوني؟".
وأوضح أن الشعب الفلسطيني لم يعد يراهن على تلك الأنظمة منذ زمن بعيد، "إنما رهانه على شعوب الأمّة العربية والإسلامية، التي سيأتي اليوم الذي تصحو فيه من غفلتها، أو تتحرّر من قبضة أنظمتها التي خانت نفسها أولًا، قبل أن تخون القضية الفلسطينية".
ولفت إلى أن إفشال صفقة "ترمب -نتنياهو" يقع على كاهل الشعب الفلسطيني وحده، متابعًا: "شعبنا سيفشل هذه الصفقة، ولديه المقدرة على ذلك".
لكن الكاتب والمحلل السياسي، عدّ إتمام "الوحدة الوطنية" بين الفرقاء الفلسطينيين ركيزة أساسية، من ركائز إسقاط "صفقة القرن"، مبيّنًا أن "الكرة الآن في ملعب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس إذا ما كان يريد تحقيق ذلك".
وبيّن الصوّاف أن على الرئيس عبّاس تحقيق مطالب الكل الفلسطيني بالتحلّل من اتفاق "أوسلو"، وإفرازاته على الصعد كافّة، لا سيما "التعاون الأمني لحماية الاحتلال ومستوطنيه".
ليس مستبعدًا
بدوره، قال الكاتب والمحلّل السياسي خليل القصّاص، إن مواقف أنظمة عربية، وانحيازها وتماهيها مع صفقة القرن التصفوية، "لم يكن مستبعدًا"، خصوصًا من دول: الإمارات، البحرين، وعُمان، التي تهرول علنًا نحو التطبيع مع كيان الاحتلال "الإسرائيلي".
وتابع القصّاص لصحيفة "الاستقلال" أن هذه المواقف المنحازة والمتماهية، ومن قبلها المشاركة بمؤتمر الإعلان عن الصفقة، تُعد "طعنة في خاصرة قضيتنا، وخيانة لشعبنا المظلوم".
واتّفق الكاتب والمحلّل السياسي مع سابقيه، في أن التعويل على تلك الأنظمة، المتربط وجودها بالدفاع الأمريكي عنها وتحقيق مصالح الكيان، لم يعد قائمًا منذ زمن.
وأضاف: "نعوّل على الشعوب العربيّة والإسلامية، التي انتفضت في البلدان كافّة؛ رفضًا لصفقة القرن، وللمطالبة بإسقاطها".
وعن الموقف الفلسطيني الرافض للصفقة، بيّن الكاتب والمحلّل السياسي ما زال ضمن الحدود "النظرية"، لذلك لا بدّ من أن ينتقل إلى مربع الخطوات العمليّة.
وقال: "إن أهمّ هذه الخطوات العمليّة، تتمثّل بالدعوة إلى حوار وطني فلسطيني جامع بين الفصائل كافّة؛ للاتفاق على موقف صلب رافض لصفقة القرن، والخروج من حالة التّيه السياسي التي تخيّم على القضية، وتبنّي استراتيجية موحّدة أساسها مقاومة الاحتلال، واتّخاذ إجراءات تنهي حالة الانقسام الداخلي".
وفي وقت سابق، حذّر رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنيّة، من خطورة التساهل والتساوق (من أنظمة عربية) في تمرير "صفقة القرن المشؤومة"، أو المشاركة في تنفيذها، أو قبولها كأمر واقع؛ ما يعدّ وصمة عار لن تُمحى، وخطيئة تاريخية كبرى لن يغفرها شعبنا، الرازح تحت احتلال إجرامي منذ أكثر من 70عامًا.
وتتضمن الصفقة التصفويّة، المرفوضة فلسطينيًا، والتي أعلن عنها ساكن البيت الأبيض "دونالد ترمب"، الثلاثاء الماضي، "إقامة دولة فلسطينية تربطها جسور وأنفاق، على أن تكون القدس موحدة عاصمة لكيان الاحتلال".
ومنذ الإعلان الأمريكي – الإسرائيلي تشهد مدن الضفة الغربية المحتلة، وقطاع غزة ومناطق اللجوء الفلسطيني، ودول عربية وإسلامية، فعاليات ووقفات شعبيّة غاضبة؛ رفضًا لـ "صفقة القرن"، والتأكيد على عدم تمريرها.


التعليقات : 0