مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ عبد السلام أحمد
كتبت صحيفة «هآرتس» في افتتاحيتها: مركز الاشتعال لم يعد العملية التي قتل فيها مقاتلان من حرس الحدود، بل استخدام البوابات الالكترونية التي نصبتها الشرطة. لشدة المفارقة، أصبحت هذه البوابات سببًا للعمليات بدلًا من أن تمنعها؛ فقد أبدت الشرطة الإسرائيلية والحكومة قصر نظر دبلوماسي، حين قررتا ان تنصبا كخطوة أولى - ومن طرف واحد - البوابات الالكترونية على مداخل الحرم. إن نصب هذه البوابات يثير خلافًا سياسيًا، لا يهدد فقط علاقات إسرائيل مع السلطة الفلسطينية؛ بل وأيضًا هامش العلاقات الحساسة مع الأردن ومصر، وهي مقلقة جدًا للبيت الأبيض، فقد نشأت حاجة حيوية للتفكير بحلول بديلة.
بشكل شاذ، لا تقف إسرائيل في هذه الأثناء أمام جبهة عربية معادية في قضية الحرم، فزعماء مصر، الأردن، السعودية والمغرب ليس فقط يفهمون الحاجة إلى مكافحة العمليات في الأماكن المقدسة؛ بل يخافون مثل إسرائيل، من انفجارات عنف في بلادهم، تجتذب قوتها ممّا يعتبر في الجمهور العربي كمس إسرائيلي مقصود بالعالم الإسلامي، هؤلاء الزعماء مستعدون لآن يساعدوا بحل متفق عليه ومناسب، بل ويجروا لهذا الغرض اتصالات مع إسرائيل، وإسرائيل ملزمة بأن تتعاطى بجدية مع هذا الاستعداد العربي والموافقة على أن تفحص معهم خيارات تنال إسناد الزعماء العرب، كي يكون ممكنًا منع انجراف الأحداث، هذه لحظة اختبار للحكمة السياسية، وليست فرصة للمنافسة العليلة على المكانة من النوع الذي يشعل نار الحروب.
الرئيس السابق لشعبة التخطيط في هيئة الأركان، ورئيس مجلس الأمن القومي سابقًا الجنرال غيورا آيلاند يشير إلى أن المدخل للخروج من الأزمة بالعودة إلى الوضع الراهن مع إعادة تعريفه، ويقول: لو كنت أنا حكومة إسرائيل، لتوجهت جهة معينة (ملك الأردن، ولي العهد السعودي، الأمين العام للأمم المتحدة)، وطلبت أن يقترح خطة من مرحلتين: في المرحلة الأولى تزيل إسرائيل البوابات الالكترونية، والكل يتعهد بوقف العنف. في المرحلة الثانية تتشكل على الفور لجنة مشتركة لإسرائيل، الاردن، السلطة الفلسطينية وجهات أخرى تنهي عملها في غضون شهر بعد ان تصيغ بدقة ما هو الوضع الراهن الذي ساد ظاهرًا حتى الجمعة الماضية.
وحسب آيلاند، الوضع الراهن خلق توازنًا معقولًا بين السيطرة المدنية للأوقاف في الحرم، وبين كون إسرائيل صاحب السيادة عمليًا، ويضيف: محظورٌ أن تكون المبادرة الرسمية لإقامة مثل هذه اللجنة من إسرائيل، وعليه فيجب أن تأتي من جهة حيادية، وحتى إسلامية. إذا ما قررت تلك اللجنة بأن نصب بوابات الكترونية في مداخل الأقصى هو خرق للوضع الراهن، يمكننا أن نتعايش مع هذا مثلما كنا نتعايش معه منذ خمسين سنة، ومع الزمن قد نتمكن من إيجاد حلول أمنية أكثر نجاعة ومع ظهور أقل، ولكن علينا قبل كل شيء أن نجرب».
من جهته، يوسي بيلين، الوزير السابق ومهندس اتفاق أوسلو، كتب يقول: يبدو أن الوقت ليس متأخرًا، فما زال هناك مجال لإيجاد حل، وهو غير معقد؛ الإزالة الفورية للبوابات الالكترونية مع إعلان بأن اسرائيل يمكنها أن تضعها مجددًا إذا قررت بأن هناك حاجة لذلك. وهذا الأمر سيعيد التنسيق مع الفلسطينيين ويعمل على تهدئة النفوس ويمنع استمرار العنف، الردع والانتقام، الذي يميز صراعنا المتواصل.
يجب علينا تذكر قضية «مرمرة»، وطلبات تركيا التي بدت غير عادلة بالنسبة لحكومة إسرائيل، وتدهور العلاقة بين إسرائيل وبين الدولة الإسلامية الكبيرة والمهمة، والسنوات الكثيرة التي مرت منذ تخفيض مستوى العلاقات وجهود إعادة التطبيع، والثمن الذي دفعته إسرائيل في نهاية المطاف بعد أن أدركت أن هذه مصلحتها القومية. نحن لا نستطيع السماح بتكرار هذا السيناريو الخاطئ، هذا هو الموضوع الأهم على سلم أولويات الدولة، وليس هناك الكثير من الوقت لإضاعته.
أما كبير المعلقين السياسيين في صحيفة «يديعوت» ناحوم برنياع فقد حمّل نتنياهو شخصيًا مسئولية الأحداث، وكتب يقول: في المداولات التي جرت بعد نصب البوابات الالكترونية، حذرت الجيش والمخابرات من أن القرار من شأنه أن يفتح موجة عنف شديدة في إسرائيل وفي المناطق، ويضعضع الأنظمة العربية المعتدلة؛ لكن وزراء اليمين مثل أردان رفض الانصات. وبعد أن تسلق على الشجرة لم يعرف كيف ينزل منها، وانضم إلى الجلبة أيضًا نفتالي بينيت الذي رأى هنا فرصة ذهبية لإدخال نتنياهو إلى الزاوية.
ويتابع بالقول: لقد كان السلوك الأكثر غرابة هو لنتنياهو؛ فهو الوحيد بين الوزراء الذي اختبر في حدث متدحرج بدايته في الحرم، ففي الاضطرابات التي اندلعت في أعقاب فتح «نفق البراق» في أيلول 1996، قتل 17 جنديًا من الجيش الإسرائيلي وقرابة 100 فلسطيني، ويعرف نتنياهو كم هو هذا المجال قابلًا للتفجر.
ومثلما في حينه، الآن أيضًا حصل هذا عندما كان نتنياهو في خارج البلاد، وفي المداولات الهاتفية حاول قادة المخابرات والجيش إقناعه بأن يأمر بإزالة البوابات الالكترونية، فرفض، فهو لم يرغب بأن يمنح هدية سياسية لبينيت في المعركة على مؤيدي اليمين. ويوم الخميس ليلًا جمع الكابينت، وانتهى النقاش بالقرار ألا يتخذ قرار؛ الشرطة تقرر. لهذه الدرجة يخاف نتنياهو من ظله.
والنتيجة كانت صلاة الجمعة في الحرم بلا مصلين، والتي رآها المسلمون إهانة محظوراً قبولها، فاندلعت الاضطرابات من اشتعالات صغيرة في البداية إلى الأحداث القاسية والقتل الفظيع في «حلميش». والآن، بتأخير فظيع، عاد العقل للجميع: البوابات الالكترونية ستزال، الحرم سيفتح، بينيت يساند رئيس الوزراء. ولم يتبقَ للحكومة غير الصلاة لله والأمل في أن يهدأ الميدان.


التعليقات : 0