محمد الناعم.. رحل شهيداً وما زال عالقاً في ذهن الجميع

محمد الناعم.. رحل شهيداً وما زال عالقاً في ذهن الجميع
فلسطينيات

غزة / دعاء الحطاب:

صوت انفجار هز أركان المنطقة، رافقه تطاير الشظايا الحادة، وأوقعت إصابات بالغة في المكان، جروح تنزف ودماء اختلطت بالرمال، وزخات الرصاص المتطايرة من بنادق جنود الاحتلال الإسرائيلي تُحيط المصابين لضمان مُحاصرتهم وإفشال أي محاولات لإنقاذ حياتهم، إلا أن مجموعة من الشباب المتواجدين بالمنطقة، أصروا على أن يكونوا أول المسعفين لأبناء مدينتهم وسحبهم لأماكن آمنه. 

 

بقلوبٍ حديدية لا تخشى الرصاصات المُنطلقة وتقدم «جرافة» الاحتلال اتجاههم، بدأ الشبان بسحب المصابين من المكان، وما إن وصل أحدهم لجثمان الشهيد «محمد الناعم»، حتى أصابته رصاصة الاحتلال بقدمه، فترك جرحة ينزف، وتابع سحب الجسد إلى أن وصلت أنياب «الجرافة الإسرائيلية» وغرست شفراتها الحادة بـ«جثة الشهيد» الذي صعدت روحه في القذيفة الأولى، ثم طمرها بالطين مراراً، إلى أن رفعته من رأسه وسحبته منصوباً إلى مكان بعيد عن الشريط الحدودي، في صورةٍ غابت بها معاني الإنسانية.

 

صباح يوم الأحد الماضي، وعند الساعة الثامنة والنصف صباحاً، كانت والدة الشهيد " أم حسن" تقوم بأعمالها المنزلية، وما إن بدأت بتنظيف أحدى غرف منزلها المطلة على مستشفى ناصر بمدينة خانيونس، جذبها مشهد تجمع عشرات المواطنين حول ثلاجات الموتى، مما أثار الخوف والحزن بقلبها، ولسان حالها يرد " يارب سلم، يارب يصبرهم".

 

صاعقة الاستشهاد

 

وما هي الا دقائق معدودة، حتى تلقت " أم حسن" اتصالا هاتفيا من شقيقتيها، فأجابت مسرعة بصوتٍ مرتجف " ألو يختي، في ناس كتير عند المشرحة، أبصر ايش صاير؟"، لم تستطع شقيقتها الاجابة بدقه على سؤالها لكنها كانت الأقرب :" الفجر استشهد شابين على السياج بخانيونس ، والبلد مقلوبة".

 

" الله يصبر أهلهم" قالتها أم حسن وعيناها تراقب انشغال الاطباء والمواطنين بما يدور داخل غرفة " ثلاجة الموتى" بالمستشفى، في حين بدأ التفكير يتسلل إلى عقلها ويرسم بمخيلتها نجلها " محمد" الذي طالما تمنى الشهادة وحدثها عنها.

 

وبعد ثوانٍ، حركت " أم حسن" رأسها يمينا ويساراً، وبابتسامة بارده قالت:" "لو ابني كان حكولي"، وعادت لاستكمال أعمالها المنزلية بشكلٍ طبيعى، ثم عادت مرة أخرى لتفتح النافذة فوجدت الحركة بالخارج غير عادية وأعداد الناس تتزايد بالمشرحة وأمام منزلها، وبلحظة لمحت ابنها "بلال" يسير بسرعة.

 

وفجأة صدر صوت رنين هاتف زوجها، الأمر الذي جعل قلبها يخفق بقوه محاولةً تفسير ما يجري حولها، وبمجرد انتهاء زوجها من الرد على المتصل حتى قالت:" ايش بده ابنك برن عليك .. ايش فيه؟"، لتتلقي الصاعقة " محمد تصاوب وأخذوه اليهود".

 

وفي مشهدٍ يدمي القلوب، ظهرت والدة الشهيد في مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تتأرجح يمينا و يساراً تارة، و تارة أخرى تبكي وتحتضن طفل الشهيد البكر " حمزة".

 

وتقول الأم المكلومة بصوتٍ مرتجف : " كنت بطل على البلكونة، لاقيت ابني بلال بجري، ناديت عليه حكتله وين رايح قالى عند أختي، وبعد شوي رن جوال ابو حسن بقلو مين برن عليك ، ايش فيه ، قلي ابنك محمد تصاوب و أخذوه اليهود".

 

وتتابع بغصة تحرق قلبها:" آه يا قلبي ، آه على الوجع يابني، الحمد لله يما يا حبيبي يما، طول عمرك سبع ، من يوم ما ولدتك وانت سبع يما".

 

وأردفت :" أجا بالليل الساعة عشرة، قلتله تعشا يما يا حبيبي، قلبي بدى أخذ مرتي و ابني وأروح على الدار يما، قلتله تعشا يما قلي خليه العشا، حكتله اقعد اسهر صحيت عشانك قلي ولله راسي بجعني، قلتله الله يسهل عليك"

 

وأضافت:" قلي تعالى تغدي عندي بكرة يما، قلتله الله يوسعها عليك يما مش فاضية، قلي خلص بعد بكرة بستناكي تيجي تتغدي عندي، حبيبي يما الله يسهل عليك".

 

ولم يتسع الوقت لأم الشهيد محمد، أن تلقي عليه نظرة الوداع وتطبع أخر قبلة على جبينه، فقد رحل سريعاً إلى جنان الخلد دون أن تحتضنه، فقد اشتعلت حرارة قلبها عليه ألماً بعدما قام جيش الاحتلال بالتنكيل والتمثيل بجثمانه و حجزه بالثلاجات الاسرائيلية.

 

"الأخ والسند"

 

تجلس "أم قصى" شقيقة الشهيد، تحتضن بين ذراعيها الرضيع "حمزة" ، الذي أصبح يتيما بين ليلة وضحاها، يري الحزن يملأ الارجاء ولكنه يجعل ما يدور حوله.

 

وتقول شقيقة الشهيد بصوتٍ يكسوه الألم:" مش مصدقه انه محمد استشهد، حسبنا الله ونعم وكيل ، ابنه هاد الصغير اللي عمره أشهر شو ذنبه يتيتم، مرته شو ذنبها تترمل، حسبنا الله ونعم وكيل فيهم".

 

وتتابع:" محمد كان بالليل عنا بالدار، هو ومرته وابنه اجوا زيارة عنا ، ما كنا ملاحظين عليه انه حيعمل اشي"، وتصف شقيقها:" محمد حنون جدا ، لسه صوته بأذني ، دايما يرن يسأل علينا يقول تعالوا عندي ، محمد اخو و سند ما يرضاش حد منا يزعل".

 

مشهد صعب

 

أما شقيق الشهيد، فكان يسند رأسه الى أحد الجدران لعلها تحمل شيئا من وجعه على فراق شقيقه، قائلاً:" انا شفت المشهد قبل ما اعرف انه اخويا، من بشاعة الفيديو ما قدرت أكمله، صديق بفرجيني بطلع قلتله الله يرحمه". 

 

وأضاف:" بعد شوي اتصلت على البيت قالوا اخوك تصاوب وأخذوه اليهود ، تلقائيا ارتبطت المعلومة بالمشهد اللى شفته، لأنه ما في غير الشهيد اللى شفته أخذوه"، مستدركا:" كانت صدمه كبيرة، شيء صعب جدا ".

 

ويتابع:" ما بكفي موته، كمان تبشيع بجثمانه، ما في أي شريعة بالعالم يتقبل هاد الشي، ولا اي انسان بتمنى لأي عربي او انسان مسلم انه يصير فيه هيك".

وناشد كافة المؤسسات الدولية و حقوق الانسان و الامم المتحدة لمحاسبة الاحتلال على جرائمه بحق كافه ابناء الشعب الفلسطيني، والضغط على الاحتلال للإفراج عن جثمان شقيقة محمد.

التعليقات : 0

إضافة تعليق