غزة/ قاسم الأغا:
دفع الثقل السياسي والعسكري لحركة الجهاد الإسلامي على الساحة الفلسطينية، والدبلوماسية المتوازنة بينها وبين دول مركزية في الشرق الأوسط؛ إلى استشعار قوى عُظمى عالمية بمركزية دور الحركة، إذا ما ارتبط الأمر بالمعادلة الفلسطينية المعقّدة.
ذلك الاستشعار بأهمية دور الجهاد الإسلامي؛ استدعى من روسيا الاتحادية توجيه دعوة رسمية للأمين العام للحركة زياد النخالة لزيارة البلاد؛ للاستماع إلى موقفها الوطني، والوقوف على ما لديها من رؤى وأفكار ومقترحات، قد تدفع نحو إيجاد حلّ عادل وشامل للقضية الفلسطينية ومفاصلها المختلفة، بما في ذلك جسر الهوّة الداخليّة بين الفرقاء الفلسطينيين.
وصباح الأربعاء الماضي، وصل النخالة على رأس وفد من حركته إلى العاصمة الروسية للقاء مسؤولين روس؛ استجابة لدعوة رسمية وجهتها وزارة الخارجية الروسية للحركة مطلع مارس (آذار) الجاري.
وفي وقت لاحق، قالت حركة الجهاد الإسلامي في بيان اطّلعت عليه "الاستقلال": "إن وفد الجهاد برئاسة النخالة التقى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بالعاصمة موسكو"، واصفةً اللقاء بـ "الإيجابي والمعمّق".
وتناول اللقاء بحسب البيان، "مجمل الأوضاع الفلسطينية، خصوصاً صفقة القرن، وكذلك الوحدة الفلسطينية الداخلية، فضلا عن العلاقات الثنائية بين الحركة وموسكو". ونقل بيان الجهاد عن لافروف رفض روسيا للصفقة، واستعداد بلاده "للمساعدة في تحقيق الوحدة الفلسطينية".
وخلال اللقاء ثمنت الجهاد الإسلامي هذه المواقف الرسمية لروسيا الاتحادية، وجدّدت الحركة التأكيد على موقفها الثابت، بضرورة مواجهة "صفقة القرن" التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، والتفريط بالقدس والضفة الغربية، وحق عودة اللاجئين، كما تهدد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948.
كما شدد الجهاد على أن الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن حقوقه التاريخية وثوابته الوطنية مهما كانت الظروف، وأن الطريق لاستعادة الوحدة الفلسطينية يكون ببناء مرجعية وطنية وفق اتفاق بيروت 2017، تأخذ على عاتقها التصدي لصفقة القرن، وأن مواقف الأطراف الفلسطينية الرافضة للصفقة يجب ترجمتها إلى برنامج عمل نضالي؛ للتصدي للمخططات الصهيونية الهادفة لتجاوز حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين والقدس".
وتناول وفد الجهاد الإسلامي إلى موسكو القضايا نفسها خلال لقاء آخر مع المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط ونائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، بحسب بيان الحركة.
قوّة فاعلة
وقال رئيس المركز الثقافي الروسي العربي في "سان بطرسبرغ" (الروسية) د. مسلّم شعيتو، إن زيارة الجهاد الإسلامي كـ"قوة فلسطينية فاعلة" إلى روسيا تأتي من منطلق اهتمام موسكو بالقضية الفلسطينية، وعلاقاتها الجيدة مع مختلف الفصائل، خصوصًا المقاوِمة منها.
وتأتي دعوات روسيا للجهاد والأطراف الفلسطينية المختلفة لزيارة موسكو في سياق المساعي الروسية لإبقاء الاتصال مستمرًا مع تلك الأطراف، واستطلاع آرائهم لدورهم الفاعل في الحفاظ على القضية الفلسطينية عبر مشروعهم النضالي لتحرير فلسطين، وفق "شعيتو".
وأشار شعيتو في حديثه لصحيفة "الاستقلال" إلى أن زيارة الجهاد الإسلامي كقوة مقاومة إلى العاصمة الروسية دائماً ما تحمل "خصوصية" بالنسبة إلى روسيا لا سيّما في ظل الظروف الراهنة، لعلاقات الحركة المتينة مع قوى المقاومة بالمنطقة، "التي تعد روسيا حليفاً أساسيًا لها". كما قال.
وتوقع أن تلعب "موسكو" خلال الفترة المقبلة دورًا فاعلا في القضية الفلسطينية عمومًا، وملف المصالحة الداخلية بشكل خاص، من خلال الدعوة مجددًا للقاء شامل، يجمع الأطراف الوطنية كافة.
احتجاج "إسرائيلي"
وأبدى كيان الاحتلال الإسرائيلي انزعاجه من استضافة روسيا النخالة ووفد الجهاد الإسلامي؛ ما دفعه لتقديم احتجاج رسمي عبر ممثل "تل أبيب" لدى موسكو.
ونقلت القناة 13 العبرية الخميس الماضي عن مسؤول دبلوماسي في خارجية الاحتلال قوله: "إن المسؤول المؤقت عن سفارة تل أبيب لدى موسكو توجه إلى نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، واحتجّ على استضافة أمين عام ووفد الجهاد الإسلامي، في مقر وزارة الخارجية الروسية".
وبحسب القناة، فقد زعم مسؤول سفارة "تل أبيب" خلال لقائه بوغدانوف أن الجهاد الإسلامي منظمة "إرهابية" لا تعترف بحق "إسرائيل" بالوجود، وتقوّض بشكل منهجي التهدئة في قطاع غزة عبر الهجمات التي تنفذها ضد "إسرائيل". وفق القناة.
وعن ذلك، لفت رئيس المركز الثقافي الروسي العربي في "سان بطرسبرغ" إلى أن "احتجاج الكيان الإسرائيلي ليس جديدًا ولن يؤثر على الموقف الروسي، خصوصًا إذا ما استقبلت موسكو الأطراف الفلسطينية الأكثر وضوحًا في مواقفها ضد هذا الكيان وتقاومه، وهذا ما نشهده من حركة الجهاد الإسلامي".
وأضاف: "كما أن هناك مواقف ملحوظة من روسيا بأن الجهاد الإسلامي هي الأكثر وضوحًا في موقفها ضد صفقة القرن والسياسية الأمريكية التي تتبعها مع الكيان الإسرائيلي".
وبحسب "شعيتو"، فإن رفض مختلف الأطراف الفلسطينية وعلى رأسها حركة الجهاد للصفقة؛ سيدفع باتجاه تبنّي موسكو لهذه المواقف، وتعزيز موقفها المُعلن بشأن رفض الصفقة الأمريكية؛ لانتهاكها لكل القوانين والأعراف الدولية.
طرح مبادرة
واتفّق الكاتب والمحلل السياسي من روسيا د. خالد الأشقر، مع سابقه، حول المنطلق الذي يدفع موسكو لدعوة الأطراف الفلسطينية لزيارتها، وهو "الاهتمام الروسي بقضية فلسطين".
وأشار الأشقر خلال حديثه لصحيفة "الاستقلال" إلى أن تزايد اهتمام موسكو بالقضة الفلسطينية مؤخرًا، "قد يأتي من اعتزامها طرح مبادرة سلمية في الشرق الأوسط".
وقال: "حتى ترتكز روسيا إلى أساس لهذه المبادرة؛ لذلك تلتقي بالفصائل الفلسطينية دون استثناء، في محاولة لإصلاح الوضع الداخلي الفلسطيني، وإتمام المصالحة الوطنية".
وعن خصوصية الدعوة الروسية لحركة الجهاد الإسلامي، بيّن أن روسيا تولي أهمية كبيرة لها كونها "ذات تأثير وثقل"، بموازاة اهتمامها بالمكونات الفلسطينية الأخرى، منبّهاً إلى رفض القيادة الروسية "محاولات إقناع إسرائيلية" لتصنيف الجهاد "تنظيمًا إرهابيا"؛ إلّا أن موسكو رفضت مناقشة هذا الأمر، والدليل فتح حوار معها خلال استضافة الأخيرة للوفد".
مواقف مهمة
من جهته، وصف الكاتب والمحلل السياسي من غزة حسن عبدو مخرجات زيارة وفد الجهاد الإسلامي برئاسة أمينها العام زياد النخالة إلى العاصمة الروسية بـ "المهمة والمتقاطعة"، مشيرًا إلى أن الزيارة لم تكن الأولى من نوعها، ما يعني أن الحركة باتت رقمًا سياسيًا لا يمكن تجاوزه على الساحة الإقليمية والدولية، وليس المحلية فقط، وركيزة أساسية في أي حل".
وكانت قيادة حركة الجهاد الإسلامي زارت روسيا في عامي 2017و 2019، استجابة لدعوات وجهتها موسكو للفصائل الفلسطينية؛ لمناقشة ملف المصالحة الوطنية.
ونوّه عبدو في حديث لصحيفة "الاستقلال" إلى أن أهمية هذه الزيارة لوفد الجهاد، تكمن فيما تضمنته من رفض مشترك بين موسكو والحركة لصفقة القرن، والانتهاكات الاستعمارية الصهيونية، الهادفة للاستيلاء على الأرض الفلسطينية المحتلة، والسياسيات الأمريكية التي تمنح الاحتلال الإسرائيلي سيادة وشرعية مزعومة خصوصًا بالضفة والقدس المحتلتين.
وتابع الكاتب والمحلل السياسي أن تقاطع موقف روسيا في ذلك الصدد، مع مواقف الأطراف الفلسطينية؛ يدفع باتجاه الترحيب بدور موسكو كداعم ومساند للقضية الفلسطينية، ويقلل من شرعية أي ممارسات أمريكية وإسرائيلية لتصفية القضية، وينزع عن "صفقة القرن" صفة "الإجماع الدولي".
وتتّسم العلاقات الرسمية والفصائلية الفلسطينية مع روسيا بـ"الإيجابية"، وعادة ما تدعو الأخيرة الأطراف المختلفة في فترات متقاربة إلى زيارتها؛ لمناقشة الأوضاع المرتبطة بالشأن الفلسطيني.


التعليقات : 0