تراجع نتنياهو ورسائل السلطة التصعيدية

تراجع نتنياهو ورسائل السلطة التصعيدية
فلسطينيات

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/  إسماعيل مهرة

قرار نتنياهو بنصب البوابات الالكترونية ووضع الكاميرات في مداخل بوابات المسجد الأقصى، جاء بفعل حماسة نتنياهو وضغط اليمين والرغبة في تأكيد السيادة الإسرائيلية ردًا على قرارات مجلس الأمن واليونسكو، ويبدو انه ساد لديهم تقدير يفيد بأن الحالة العربية والفلسطينية تسمح بإنجاز الأمر.

 

القرار اتخذ بعد مشاورات تلفونية أجراها نتنياهو مع ممثلي القوى الأمنية، شرطة وجيش و»شاباك»، ومع أعضاء الكابينت، وشكل تصريح بينيت - الذي أثنى على قرار نتنياهو وطالب بدعمه والالتفاف حوله لحمايته من الضغوط - تطويقًا قويًا لنتنياهو جعله يؤكد أنه لا يعتزم التراجع عن نصب البوابات. وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان يؤكد أنه تم إطلاع بعض الدول العربية على القرار، والذين لم يبدوا اعتراضًا، ويؤكد أن الجيش و»الشاباك» لم يعترضوا في أثناء المشاورات الأولية، ويؤكد ذلك عضو الكابينت ووزير الداخلية درعي بقوله ان الجيش و»الشاباك» وافقوا في المشاورات الأولى، لكنهم تراجعوا بعد انفجار الأحداث، واعترفوا بأنهم أخطأوا في تقديرهم الأولي.

 

ردة الفعل الفلسطينية - وبالذات من قبل المقدسيين ورجال الأوقاف - وعدم قبولهم الصلاة داخل الأقصى؛ رفعت السقف وأحرجت الأردن، وكون المسألة تتعلق بوابات ظاهرة على مدخل الأقصى كان من السهل ضبط جبهة الصراع وتحشيد الجمهور، وجاءت عملية الشهيد البطل عمر العبد في مستوطنة «حلميش»، وما كتبة من ربط بين العملية وما يحدث بالأقصى، لتمنح الموقف ضد البوابات زخمًا أكثر، وتعرّي الموقف الحكومي وتعزز موقف الإسرائيليين الذين يعتقدون بأن قرار البوابات يضر بمصالح إسرائيل الأمنية، سواءً كانوا مهنيين أمنيين أو سياسيين وإعلاميين.

 

نتنياهو، الذي شعر بالورطة وقدّر بأنه سيضطر لا محالة لتفكيك البوابات، بحث عن أفضل الطرق التي تجعل خسائره وخسائر إسرائيل من تداعيات أي تراجع، في مستواها الأدنى، فدفع باتجاه ان يقوم الكابينت بتكليف الشرطة بمهمة اتخاذ القرار وتقديم التوصيات فيما يتعلق بنجاعة البوابات بضمان الأمن، وكان واضحًا ان الشرطة ستقدم اقتراحًا بديلًا يتعلق بنصب كاميرات ذكية، بمبرر ان البوابات في لحظة ازدحام المصلين ستخلق احتكاكًا وتوترًا. لكن، في هذه الأثناء، وقعت حادثة السفارة، حيث قام ضابط أمن بقتل اثنين من الأردنيين في ظروف وملابسات لا زالت غامضة؛ الأمر الذي جعل عنصرًا جديدًا يدخل على الأزمة، يزيدها تعقيدًا من جهة، لكنه يمنح نتنياهو «شرعية» داخلية للتراجع عن البوابات في إطار ما يمكن تسويقه من ثمن لإعادة ضابط الأمن وإنهاء الأزمة الدبلوماسية، ويمنح نتنياهو أيضًا بعض الدعاية والمكاسب تعوضه عمّا قد يلحق به من تراجع لشعبيته، وتحد من قدرة اليمين على انتقاده على قرار التراجع.

 

نتنياهو، محترف التسويق الإعلامي، استغل عودة قاتل الأردنيين باحتراف كبير، حتى بثمن عدم مراعاة مشاعر الأردنيين؛ فوثق استقباله للقاتل وللسفيرة، وعرضه كاستقبال الأبطال في فيديو تم نشره على نطاق واسع، حتى تم نشر المحادثات التي تمت بينه وبين السفيرة والقاتل، وعرض الأمر في بث حي، وكأنه دراما لعملية إنقاذ لبطل إسرائيلي من قلب ميدان معركة.

 

على المستوى الداخلي الإسرائيلي، فقد استقبل الجمهور قرار رفع البوابات والكاميرات كإذعان من نتنياهو، ودليل على التخبط وعدم الإدارة المسؤولة للأزمة. هذا الأمر عكس نفسه في استطلاع رأي أجرته القناة الثانية، حيث عبر 77% من المستطلعين أنهم يرون في قرار رفع البوابات قرارًا انهزاميًا، وأعرب 67% عن عدم رضاهم عن أداء نتنياهو لمجريات الأزمة. وليس أقل من ذلك من حيث الأهمية، جاء عنوان صحيفة «إسرائيل اليوم» وهي المقربة من نتنياهو وتعبر عن اليمين الإسرائيلي «نتنياهو عديم حيلة، ضعيف، ومرتبك».

 

من الواضح ان وضع نتنياهو - الذي كان سيئًا نتيجة التحقيقات - قد ازداد سوءًا نتيجة ثورة الأقصى، وتوجه إليه سهام الانتقاد والهجوم من جميع الأطراف، وهناك من يقدّر بأنه في الحضيض، لذلك قد يلجأ إلى التصعيد على جبهة السلطة تحديدًا لرد الاعتبار، ومن بين الوسائل التي قد يلجأ إليها الوسيلة الأكثر شعبية، وهي تعويض المستوطنين والتشدد ضد السلطة الفلسطينية وتبني سياسات الالتفاف عليها، عبر مؤسسات الإدارة المدنية وتعزيز العلاقة المباشرة مع السكان والمؤسسات الخاصة الفلسطينية. وأولى هذه القرارات كان قرار عدم إخلاء المستوطنين من منزل عائلة الرجبي، الذي اقتحموه ليلة الأربعاء بالقوة، وإرساله طاقمًا للتفاوض معهم.

 

موقف السلطة

 

السلطة الفلسطينية رفعت سقف موقفها ومطالبها بشكل استثنائي وغير معهود، وبطريقة ربما فاجأت الكثيرين من المتابعين، وبعد رفع إسرائيل للبوابات والكاميرات، وفي الاجتماع الذي عقدته القيادة الفلسطينية مساء الثلاثاء بعد القرار الإسرائيلي برفع البوابات؛ واصل خطاب القيادة التمسك باللغة التصعيدية وحث الجماهير لتعزيز ثورتها الشعبية، لا سيما الجمعة المقبلة، وتوقيع 28 اتفاقية للانضمام للمنظمات الدولية، والتوجه لمحكمة الجنايات الدولية لمحاكمة إسرائيل على جرائم حربها. غرابة موقف السلطة يدفع إلى البحث عن دوافعه الحقيقية، وعمقه.

 

يبدو ان موقف السلطة هو من النوع التكتيكي، ويبدو ان دوافعه داخلية وخارجية، فهو يأتي كرد فعل على تجاهل جميع الأطراف لدور السلطة، فالجميع قفز عنها حتى ان الرئيس عباس لم يتلقّ أي اتصال هاتفي من الزعماء العرب بهدف التشاور، وحضر بشكل قوي غياب التنسيق بين الأردن والسلطة، وهو مؤشر على التهاب في العلاقات، فالسلطة وجدت نفسها مضطرة لتقول من هو صاحب القرار والرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه، وأنها ليست نكرة، وقادرة على قلب الطاولة، كما ان ثمة شعوراً متزايداً لدى السلطة بأن هنالك أطرافاً تحاول جعلها غير ذات صلة، والالتفاف عليها وعلى شرعية الرئيس عباس؛ لذلك فرسائل تصعيد السلطة للموقف الوطني موجهة للداخل الفلسطيني ولإسرائيل وللعرب ولأمريكا وللغرب «انكم لن تستطيعوا تجاهلنا».

 

بيد ان التحدي الذي تواجهه السلطة عبر تمسكها بالتصعيد الدبلوماسي والميداني الشعبي واستمرار تجميد العلاقات مع إسرائيل، بما فيها التنسيق الأمني؛ يكمن في قدرتها على الاستمرار كجهة قائدة وموجهة دون ان يرتد الأمر عليها، لا سيما في ظل الانقسام، وضعفها، والصراعات الداخلية، والدور العربي والإسرائيلي والأمريكي.

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق