غزة/ دعاء الحطاب:
لا أكاليل زهور ولا حلوى تنثر يمينا ويساراً، ولا جماهير غفيرة تُحيى حفل استقبال بالإفراج عنه من سجون الاحتلال الاسرائيلي بعد سنوات طويلة من الفراق والحنين لاحتضان أفراد العائلة و الأحباب، فقد كان اللقاء عن بعد « عبر التلويح بالأيدي، والتكبيرات والزغاريد»، ليصل بعد ذلك إلى مسقط رأسه بمدينة رام الله، ثم دخل الحجر الصحي لأربعة عشر يوماً.
هكذا فضل الأسير المحرر جمعة التايه(51 عاماً) من قرية كفر نعمة قضاء رام الله، طريقة الإفراج عنه، حيث خطط لها قبل أيام من داخل غرفة اعتقاله في سجن النقب الإسرائيلي حفاظاً على سلامة أحبته من فيروس كورونا، مؤمناً أن أسبوعين آخرين في البعد عن الأهل لا ينتقصان من حريته شيئاً.
وأفرجت سلطات الاحتلال عن الأسير القيادي في حركة الجهاد الاسلامي جمعة التايه، الخميس الماضي، بعد اعتقال دام ثمانية عشر عاما ونصف بتهمة العضوية في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي والمشاركة في عمليات للسرايا ضد قوات الاحتلال.
وأُعتقل القيادي التايه في عام 1991 وأمضى عاماً واحداً، ثم تم اعتقاله بعام 1992 لسته سنوات متواصلة، وفي العام 1998 اعتقل إدارياً، ولكن الأصعب كانت آخر اعتقال في تاريخ 2001/10/24 حيث حكم بالسجن 18 عاماً ونصف.
شمس الحرية
"جمعة التايه، غداً سيتم الإفراج عنك".. جملة قالها السجان الإسرائيلي بصوت منخفض، لكنها اخترقت بقوه مسمع الأسير ليحتض الأرض ساجداً شكراً لله الذي من عليه بإشراقة شمس الحرية بعد سنوات طويلة بين عتمة الزنازين التي أذبلت زهرة عمره، حسب التايه. بضحكه تروي سعادة، يقول القيادي المحرر:" آخر أيام في السجن ينتظر الاسير على أحر من الجمر اللحظة التي ينادي السجان اسمه للإفراج عنه خاصة بعد سنوات طويلة من لوعة الشوق للأهل والابناء والأقارب، فعندما ينادي اسمه يشعر بإحساس لا يستطيع وصفه وفرحة تنسيه مرارة سنوات الاسر".
" أحاديث مطوله مع رفقاء الأسر، تخللها مشاعر ممزوجة بين الفرح بالحرية والحزن لفراقهم، كما أعادوا شريط ذكرياتهم سريعاً حتى باغتتهم لحظة الفراق واللقاء بذات الوقت"، هكذا أمضي "التايه" الليلة الأخيرة بسجون الاحتلال.
لحظاتٍ صعبة عاشها المحرر منذ خروجه من بوابة سجن النقب الصحراوي فجر يوم الخميس الماضي، حتى وصوله الى حاجز الظاهرية عبر " البوسطة" المخصصة لنقل الأسرى، حيث كان يشعر نفسه بحلم يخشى الاستيقاظ منه ، قائلا:" طول الطريق كنت أقول للأسرى الذين معي بالبوسطة خايف أكون بحلم و حد يصحيني منه، حاسس قلبي حيوقف من شده الفرح والتوتر".
وأضاف:" لحظات الافراج متوترة ممزوجة بالفرح والسعادة والخوف من تأجيل موعد الافراج أو اعطائه حكما ادارياُ لفترة أخرى، لكن عندما يجد الاسير نفسه وسط أهله وعلى أرض وطنه يبدأ فعلا بتنفس الحرية و يشعر أن حلمه أصبح حقيقه".
من الأسر إلى الحجر
بإجراءات مشددة استقبل جهاز الطب الوقائي المحرر " التايه" وعشرين أسيراً آخرين ظهر الخميس الماضي، عند حاجز الظاهرية قرب مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وأجرى له فحص كورونا وفق الإجراءات المتبعة ومن ثم نقل عبر سيارة الإسعاف لمسقط رأسه بمدينة رام الله، وفق قوله.
وأضاف التايه لـ" الاستقلال":" شعور مؤلم وقاسٍ جداً لحد البكاء، أن أكون غير قادر على احتضان عائلتي وأبنائي بعد 18 عاما ونصف من الفراق والشوق لهم، لكن طالما الانسان تنفس الحرية ووطأت قدماه أرض الوطن الذي يحب وشاهد الناس والمناظر الطبيعية، باقي الأمور والتفاصيل الصغيرة لن تنقص من حريته شيئاً ويتجاوزها بسهوله".
ويتابع:" بعد انتهاء فترة الحجر المنزلي سأتوجه الى قرية كفر نعمة، وسيقام حفل استقبال لي، وسأحتضن أقاربي وأحبتي باطمئنان، كوننا انتهينا من المرحلة الاولى لإجراءات الوقاية والسلامة". بصوت قوي صامد، استكمل حديثه :" قضيت قرابة نصف عمرى معتقلا حماية لشعبي، والآن أعزل نفسى للهدف ذاته "فالنضال ليس بالبندقية فقط"، مشيراً إلى أن فرحته بالحرية كبيرة لكن الحرية الأكبر ستكون بتعافي بلده ووطنه من "وباء كورونا ووباء الاحتلال".
سنواتٍ عجاف
منذ اللحظة الأولى بالاعتقال، تعرض " التايه" لمختلف أشكال التعذيب الجسدي والنفسي داخل زنازين التحقيق لدى الشباك الإسرائيلي، لمدة تزيد عن 60 يوماً.
ويقول الأسير المحرر:" لا أستطيع اختصار ١٨ عاما ونصف من المعاناة والعذاب داخل سجون الاحتلال ببضع دقائق، لكن تجربة الاعتقال كانت مؤلمة قاسية ومشواراً طويلا في سنوات عجاف، لكنها بذات الوقت كانت مليئة بالتحدي والصبر و المعرفة والعلم". و أكمل حديثه:" السجن كله صعب وقاس، لكن الأكثر صعوبة مرحلة التحقيق، حيث يتعرض الاسير لكافة أشكال التعذيب الجسدي و النفسي، و تتخذ ادارة السجون بحقه الكثير من الاجراءات التعسفية كالعزل الانفرادي والشبح والحرمان من النوم لساعات طويلة، كذلك اعتقال ذويه للضغط عليها خلال فترة التحقيق".
وتنقل القيادي في حركة الجهاد الاسلامي " التايه" في معظم سجون الاحتلال من شمال فلسطين إلى جنوبها حتى تحرر من سجن النقب، كما خاض معركة الامعاء الخاوية 4 مرات خلال فتره اعتقاله، منها المشاركة في الإضرابات الجماعية لتحسين ظروفهم الحياتية بالسجن كأضراب عام 2004 واضراب عام 2017 الذي كان فيه أحد أعضاء لجنة الاضراب، ومنها ما هو تضامني كما الحال في العام 2012 مع مفجر ثورة الإضرابات الفردية في السجون الشيخ خضر عدنان.
وأكد أن الحركة الاسيرة نجحت بكافة معارك الاضراب المفتوح عن الطعام التي خاضتها ضد السجان من أجل الحفاظ على حقوقهم و انتزاع حقوق جديده.
قصه تحدٍ ونجاح
مرارة السجن وقسوة السجان وقهر القضبان، كل ذلك جعل الاسير المحرر " التايه" يتحلى بإرادة لا تلين مشحونة بالإصرار العنيد خلف قضبان السجون ليحول رحلة السنوات العجاف الى قصه نجاح وتحدٍ ، ليكون هو الرقم الصعب الذي أطل على ذويه وأبناء شعبه من عتمة السجون، عبر كتابة مجموعة من الدراسات والكتب الاسلامية والفكرية والسياسية.
" إن إبراهيم كان أمة"، " المرأة بين الدين والتدين"، "التربية من خلال المواجهة"، " الجهاد مشروع ومنهج ورسالة"، أوجاع البوسطة"، " خطب منبرية"، "أسئلة ضرورية حول الدولة الإسلامية"، "عدة مقالات فكرة وسياسية"..، تلك هي الكتب والدراسات كانت حصيلة دراسة وبحث قضاها الأسير "التايه" خلال فترة سجنه، واستغلها أفضل استغلال ليجسد فعلاً وممارسة مقولة "السجن مدرسة" ويزيد عليها السجن " جامعة" وحياة. كما استطاع المحرر الحصول على شهادة الثانوية العامة، وشهادة بكالوريوس في الشؤون الاسرائيلية ، كما حصل على درجة الماجستير في " الدراسات الاسرائيلية من جامعة القدس أبوديس.
وأوضح "التايه" ، أن مجموعة عوامل لعبت دوراً مهماً في جعله قادرا على تحويل رحلة سنوات الأسر العجاف الى سنوات مليئة بالنجاح والعلم، تتمثل بالإيمان بالله والثقة المطلقة به، والمعرفة وحب الاستطلاع، والاختلاط مع الأسرى والانفتاح على الأخرين وتكوين علاقات وطنية، إضافة لعوامل الاستفزاز والظلم التي تمارسها ادارة السجون ضد الاسرى والتي دفعته لكتابة مؤلفات ودراسات حول الأسر".
"الحرية والوحدة "
وحمل المحرر "التايه" في جعبته رسالة الأسرى، قائلا" إنه ومنذ إعلان الوباء والاستهتار سيد الموقف في تعامل إدارة السجون مع الأسرى، حيث قدموا الكمامات لهم قبل 5 أيام فقط من الافراج عنه، كما يرفضون إدخال وسائل المعقمات للأقسام ولا يقومون بتعقيمها، كما لا يقمون بإجراء الفحوصات اللازمة للأسرى لتفادي الإصابة بالفيروس"، مشددا أن ادارة السجون إن اتخذت اجراءات وقائية فهي من أجل السجانين فقط، حيث منعتهم من التجول بين الاقسام الا للضرورة، ومنعت تحويل الاسرى الى المحاكم وغيرها. وأكد أن الاسرى يتمتعون بمعنويات عالية وارادة صلبة، لكنهم يعانون من سياسة ادارة السجون ضدهم المتمثلة بـ" الاهمال الطبي، التنقلات المستمرة، و غيرها من الاجراءات القمعية والعنصرية التي تمارس ضدهم".
وأوضح أن الاسرى حملوه رسالة " الحرية والوحدة"، فهم ينتظرون بفارغ الصبر إبرام صفقة تبادل قريبة للإفراج عنهم، كما يتشوقون لإنهاء الانقسام الفلسطيني خاصة عقب صفقة القرن الرامية لتصفية القضية، كما يتمنون لشعبهم السلامة من فيروس كورونا و فيروس الاحتلال و السرطان الاستيطاني.


التعليقات : 0