مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ إعداد: عبد السلام أحمد
وأخيرًا انتصرت القدس، ورضخت الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ دولة الاحتلال، ونجح المقدسيون في عرقلة المخطط الصهيوني الذي يستهدف المسجد الأقصى لسنوات قادمة، ونجحوا في إعادة الوعي الجمعي بما يخص القضية المركزية للامة (القدس والمسجد الأقصى) وتوحيد بوصلة الأمة نحوهما، وكشفوا الدور الوظيفي لبعض الأنظمة في خدمة الاحتلال والتآمر على القضية الفلسطينية؛ بعد ان ظن الإسرائيليون ان الفلسطينيين في أضعف لحظات تاريخهم، وقد انشغلت عنهم شعوب الأمة العربية والإسلامية بمشاكلها وحروبها وانقساماتها الداخلية.
الصحفي الإسرائيلي ألون بن دافيد كتب يقول: «بعد مرور خمسين سنة على دعوة موتي غور المدوية «الحرم في أيدينا»، هذا يذكرنا إلى أي حد أيدينا فارغة. العالم العربي جميعه لاحظ رائحة العرق والخوف التي انبعثت من القدس، وهو استغل هذه اللحظة حتى النهاية، جميع القوى المتصارعة التقت مع بعضها من أجل إنزال الحكومة اليمينية المتفاخرة على ركبتيها، وحتى الخضوع المطلق». وأضاف «هناك جبال يحتاج احتلال قممها دفع ثمن باهظ، ما يسمى جبل الهيكل (المسجد الأقصى) أخطر من قمة افرست؛ فهو القاسم المشترك الذي يمكنه إخراج الناس إلى الشوارع، من الرباط وحتى طهران، بل حتى جاكارتا.
ومن يعتقد بأنه يستطيع إنشاء وضع جديد دون تفكير، فإن نهايته أن يكون خاضعًا وذيله بين ساقيه. لقد نجحت القيادة في إسرائيل هذا الأسبوع في جسر الفجوة بين جميع الأعداء في العالم العربي والإسلامي والتقريب بين حماس وأبو مازن، بين الأردن وتركيا وقطر، وفي الطريق أيضًا إعادة الابتسامة إلى وجه الحركة الإسلامية في إسرائيل، والتي قمنا بإخراجها خارج القانون قبل عامين».
تسلسل الأحداث
- في 2014 اقترحوا فيما يعرف بـ «لواء القدس» في دولة الاحتلال نصب بوابات الكترونية في المداخل إلى المسجد الأقصى المبارك.
- في الموجة النضالية التي بدأها الفلسطينيون في القدس والضفة الغربية (أيلول 2015) ردًا على اقتحام قادة اليمين المتكررة إلى الأقصى ومحاولات إقامة صلوات، عاد الاقتراح ليوضع على الطاولة، في مداولات قيادة دولة الاحتلال السياسية والأمنية وحاولوا تمرير ذلك بالخشية من عملية يهودية في الحرم، نتنياهو أجّل الفكرة، وأوضح بأنه لا يمكن أن نشرح علنًا، بوسائل الإعلام بأن هذه خطوة ضد اليهود، وأن الأمر سيثير المعارضة في الطرف الفلسطيني.
- يوم الجمعة، قبل أسبوعين، فور العملية الفدائية التي قتل فيها اثنان من شرطة الاحتلال في الحرم؛ قامت قوات الاحتلال بإخلاء المسجد الأقصى وإغلاق أبوابه. وظنّ نتنياهو ان الفرصة مواتية، مخولًا الشرطة بتغيير الوضع القائم في نصب البوابات الالكترونية.
وبدأت بالفعل عملية نصب البوابات الالكترونية يوم السبت، نتنياهو خرج بالتوازي في زيارة سياسية إلى فرنسا وهنغاريا، الفلسطينيون - خصوصًا في القدس - اعتبروا الأمر تحديًا ومسًا خطيرًا بالمسجد الأقصى، مستذكرين ما حصل مع الحرم الابراهيمي في الخليل عام 1994 حين نصب الاحتلال بوابات الكترونية وقام بتقسيم الحرم، ودعوا إلى عدم الدخول إلى المسجد الأقصى، بل أداء الصلاة خارج أبوابه. يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي، أطلق جهاز المخابرات لأول مرة تقديرًا بأن «نصب البوابات الالكترونية يؤدي بالضفة الغربية إلى وضع قابل للاشتعال»، أما نتنياهو فلم يعطِ لهذه الأقوال تعبيرًا، بل عاد وشدد بأنه لا يوجد ما يدعو لإزالة البوابات الالكترونية.
- اشتعلت الأحداث وقطع نتنياهو رحلته وعاد في الغداة، مباشرة إلى مقر وزارة الأمن لاجتماع الكابينت. في المداولات عاد جهاز المخابرات وطلب إزالة البوابات الالكترونية، وفضلت الشرطة إبقاء البوابات في مكانها ورأت في إزالتها دليلًا على الضعف والاستسلام. الوزيران يوفال شتاينتس ويؤاف غالنت أيدا إزالتها، ونتنياهو قرر طرح الموضوع للتصويت. اقتنعت الأغلبية بأقوال المفتش العام للشرطة الرافض لإزالتها والدعم الذي حظي به من وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان، فبقيت البوابات الالكترونية في مكانها.
- في مساء اليوم التالي، نفذت عملية فدائية في مستوطنة «حلميش»، فيما أثبتت صفحة الفيسبوك للفدائي الفلسطيني عمر العبد بأن الدافع هو الوضع الناشئ في الحرم.
- بعد يومين من ذلك عاد الكابينت للانعقاد مجددًا، هذه المرة تقرر إزالة البوابات الالكترونية، ولكن من أجل تقليص إحساس التراجع الإسرائيلي تقرر نصب كاميرات ذكية في الحرم، تنجح في الالتقاط حسب حرارة الجسد من يحمل السلاح، وكذا كاميرات وجه تشخص الداخلين، وأن تجري قوات الأمن فحصًا يدويًا في الدخول إلى الحرم. أوضحت الشرطة بأنها ستحتاج إلى نصف سنة لتجنيد التكنولوجيا المطلوبة، والتي ستبلغ كلفتها 100 مليون شيكل، الكابينت أقر، وكان يبدو للوزراء بأن هذا إقرار سيسمح لنتنياهو بالتراجع عن إصراره على البوابات الالكترونية.
- في هذه الأثناء جاء البلاغ عن حادث السفارة الإسرائيلية في عمان، وقيام حارس صهيوني بقتل مواطنيْن أردنيين. نتنياهو بعث إلى الأردن برئيس جهاز المخابرات يوفال أرغمان كي يعيد الحارس إلى إسرائيل، ونقل نتنياهو عبره رسالة مهدئة «البوابات الالكترونية ستزال»، أما الأردنيون فطلبوا أيضًا إزالة الكاميرات عن الحرم.
بالتوازي، حذر رئيس شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي اللواء هرستي هليفي من أنه يجب تهدئة الميدان. وعلى حد قوله، إذا لم يتم الأمر بسرعة، فهناك خطر في أن تنشب انتفاضة جديدة، التنظيم (حركة فتح) سيعود إلى العمل، والأمر سيعرقل كفاح الجيش ضد حزب الله. كما أوضح بأن الوضع سيخلق ما أسماه توحيدًا شاذًا في العالم الإسلامي، يعزز محورًا غير مرغوب فيه بين إيران وتركيا.
أدت الأمور بالكابينت إلى إقرار إزالة البوابات الالكترونية والكاميرات، وقد مرّ القرار رغم معارضة الوزراء نفتالي بينيت، ايليت شاكيد وزئيف الكين. يقول دافيد بن ألون: «مرة أخرى يتعلم رئيس الحكومة أن هناك قوى أكثر تهديدًا وأكثر قوة من نفتالي بينيت، لقد قام بإزالة البوابات الالكترونية وأبقى على الكاميرات، وأزال الكاميرات وأبقى على الجسور، وقام بإزالة الجسور وأمر كعادته بالفحص اليدوي على مداخل الحرم، وفي نهاية المطاف تلاشى قرار الفحص اليدوي أيضًا».


التعليقات : 0