الاستقلال/ أمل بريكة
"تم إحالتك للتقاعد المبكر"، رسالة قصيرة على الهاتف النقال كفيلة بتغيير مسار حياة أسرة بالكامل، ونقلهم في غمضة عين من العيش بحياة كريمة إلى حياة كلها فقر وحرمان، تلك الرسالة التي يخشى عشرات الآلاف من الموظفين التابعين لسلطة رام الله، وصولها لهواتفهم النقالة، بعد قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، إحالة الآلاف منهم للتقاعد، بسبب رفض خركة "حماس" مبادرته التي تدعو إلى إنهاء الانقسام وحل اللجنة الإدارية في غزة.
هذا الكابوس المقلق لا زال يلاحق أكثر من 6 آلاف من موظفي السلطة العسكريين والمدنيين العاملين والمستنكفين منهم، والذين لم يؤهلوا أنفسهم للتغيرات السريعة التي ستطرأ على حياتهم المعيشية والاقتصادية بعد التقاعد، الأمر الذي سيشكل عبئا كبيرا على حياة أسرهم، التي بالكاد تعتمد على الراتب، لأنه سيزيد من الخصومات الموجودة أصلا على رواتبهم، وسيجعلهم يعيشون حياة قاسية.
التفكير بالهجرة
المواطن )و. ع) (39 عاماً)، والذي يعمل في جهاز أمن الرئاسة برتبة ملازم منذ عام 1995، اعتبر أن التقاعد المبكر، قرار ظالم يخيم على حياة كافة الأسر التي طالها القرار لأنه جاء بشكل مفاجئ ودون سابق انذار، كما أنه لا يخضع لمعايير قانونية تستوجب التقاعد.
وأوضح (ع) لـ "الاستقلال"، أنه عندما علم بأن اسمه مُدرج في كشوفات التقاعد المبكر، لم يستطع تدبر كافة التزاماته المالية وخاصة أن لديه قروضاً وكفالات بنكية، ورغم ذلك بدأ بجمع أوراقه الرسمية للانتهاء من إجراءات التقاعد، لأنه يعلم أن تلك القرارات لا يمكن التراجع عنها من السلطة الفلسطينية.
وبين أن الوضع الاقتصادي المزرى الذي بدا أطفاله يجنون ثماره أثر الخصومات المتكررة من الراتب، جعله يفكر بالهجرة من أجل البحث عن سُبل حياةٍ أفضل لأسرته، بدلاً من وضع الأيدي على الأوجه دون إيجاد حلول.
وعبر ( ع( بنبرةٍ تجتمع فيها كافة معالم الحزن والألم والحسرة، عن رفضه لحال أطفاله الذين لم تتجاوز أعمارهم 11 عاماً، والذين سيمرون بحياةٍ معيشية صعبة حينما يجدون والدهم غير قادرٍ على تلبية احتياجاتهم، بعدما كانوا يعيشون في وضعٍ يوفر لهم جميع متطلباتهم.
وأشار إلى أن البحث عن مصدر رزق بديل هو الأصعب من القرار ذاته، في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه غالبية سكان قطاع غزة، لا سيما آلاف الخريجين الذين باتت فرص العمل أمامهم صعبة المنال.
قرار ظالم
أما الموظف أسامة أبو فول (41 عاماً) من محافظة غزة، والذي يعمل في جهاز الاستخبارات العسكرية في حكومة رام الله، فاكتشف أن اسمه مدرج في كشوفات التقاعد المبكر عن طريق الصدفة، حينما كان ذاهباً ليفحص أسماء أصدقائه الذين تجاوزوا سن الخمسين.
وقال أبو فول لـ "الاستقلال"، " لم أجد أسماء أصدقائي الذين يكبرونني سناً في كشوف التقاعد، فأطمأن قلبي أنني غير مدرج في تلك الكشوفات، إلى أن طلب من الموظف فحص اسمه غير مكترث بالنتيجة، ولكن في مداعبة من الموظف قال له "زغردي يا انشراح اسمك في التقاعد المبكر" ليصاب بصدمة كبيرة لم يكن يتوقعها، معتبراً إياهُ قراراً جائراً على حياته الأسرية التي ستتغير بشكل جذري للأسوأ.
وتابع أبو فول " فجأةً بعد 22 عاماَ من الخدمة العسكرية أجد نفسي على بند التقاعد المبكر وبدون سابق انذار ، ودون أن أعرف حقوقي المالية التي يجب أن أحظى بها بعد نهاية الخدمة التي أجبرت عليها"، معتبراً ذلك نوعاً من العقاب الجماعي للعسكريين على حساب جهات أخرى، وظلماً كبيراً حينما يفقد حقه الطبيعي في الترقية.
وأكد أن القرار سيضرب بعرض الحائط جميع المشاريع الأسرية، التي قرر القيام بها قبل صدوره، لأنه كان ينوي شراء منزل بدلاً من السكن بالإيجار حيث الاستقرار الأسري والنفسي، مشيراً إلى أن لديه قروضاً بنكية، وفواتير والتزامات معيشية تكبل بها، ولا يستطيع سدادها بعد إحالته للتقاعد وحصوله على 70 % فقط من الراتب.
تفكك النسيج الوطني
بدوره أوضح عارف أبو جراد، رئيس نقابة الموظفين العمومين في غزة، أن القرار الذي صدر عن مجلس الوزراء بحكومة رام الله بإحالة حوالي 6145 موظفاً عسكرياً للتقاعد المبكر، سيطبق بواقع 70% من رواتبهم.
وبين أبو جراد لـ " الاستقلال"، أنه تم عقد عدة اجتماعات الأسبوع الماضي لمناقشة خطورة الأمر خاصة على الموظفين المدنيين في حال تم تطبيق القرار أيضاً عليهم، مشيراً إلى أنه لا يوجد آلية معينة اعتمدت عليها السلطة الفلسطينية حول إحالة الموظفين المدنيين والعسكريين، وفقاً لدرجته الوظيفية أو سنوات الخدمة أو حتى عمره ، فهناك موظفون عسكريون تم إحالتهم للتقاعد بأعمار صغيرة لم تتجاوز الأربعين عاماً.
وأكد أبو جراد، أنه في حال صدور قرار ضد الموظفين المدنيين بإحالتهم للتقاعد الاجباري، سيكون لهم كلمتهم برفض استيفاء كافة الأوراق الرسمية، وسيبقى اتمام اجراءات التقاعد معلقة، إلى حين العزوف عن القرار، مشدداً على أن هذا القرار يعتبر تدميرياً بالنسبة لحياة الموظفين في المرحلة المقبلة التي ستكون أكثر صعوبة على حياتهم، وسيضر بالنسيج الاجتماعي والوطني وخاصة أن الأغلبية منهم يداومون في المؤسسات الحكومية في غزة.


التعليقات : 0