الاستقلال / جيهان كوارع
"نحن إنْ متنا تُسعّر من دمانا غاضباتٍ كلُّ أعمدةِ الصلاح، أيّ عز نبتغيه وفي بلادي فوقَ ظهرِ السور تنكسرُ الرياح" بتلك الكلمات التي نظمتها الشاعرة الفلسطينية تسنيم عبد القادر على قافية واحدة لتتوازن مع الأحداث التي شهدها المسجد الأقصى مؤخراً، استطاعت أن تنقل الجانب الإنساني والمعاناة التي يعيشها المقدسيون خاصة والشعب الفلسطيني عامة إلى العالم، لتثبت أن الفن الفلسطيني سلاح هام للدفاع عن القضية الفلسطينية.
ويعتبر الفن جزءاً مهماً من الحياة الاجتماعية لدى الشعب الفلسطيني، وأداة تجسد احتياجاته وتلامس مشكلاته، كما أن له مقدرة على رصد المراحل النضالية والأحداث التاريخية التي تواجهه، فعندما صنع أهل القدس نصراً برباطهم على أبواب الأقصى، وثق الفنانون الفلسطينيون هذا النصر والصمود في ألوان مختلفة من الفن، فالشاعر والمغني والرسام والنحات كلهم سخروا مواهبهم لأجل القدس كل في ميدان واحد يقاتل بما استطاع إليه سبيلا.
محاكاة الواقع
الشاعرة الفلسطينية تسنيم عبد القادر من مدينة نابلس والتي أصبحت صفحتها الرسمية على موقع "فيس بوك" مليئة بالقصائد الشعرية التي تتحدث فيها عن أوضاع القدس، اعتبرت أن من واجبها كفنانة وشاعرة أن تحاكي الواقع الذي تحياه من أجل توثيق الحدث بأشكال فنية لن تنساها الذاكرة الفلسطينية، معتبرة أن الشعر والنصوص هي ترجمة للانتماء للوطن.
وأكدت عبد القادر في حديثها لـ" الاستقلال"، أن كل حدثٍ له نصيبه وما يخصّه من الشعر في قصائدها الشعرية، وأن القصائد والمقاطع القصيرة التي تنشرها الكترونياً وعلى مواقع التواصل الاجتماعي كلها وليدة اللحظة وتصف ما يحدث في القدس وفي كافة المدن الفلسطينية من تطورات.
وأوضحت أن ما كتبته مؤخراً، صب جله في صالح دعم صمود أهل القدس، وعتاب الأمة الإسلامية على تقاعسها وعدم مساندتها للمرابطين هناك، متسائلة "ما فائدة أن تكونَ كاتبًا وبوصلتك منحرفة عن مسار الواقع؟!.
وقالت عبد القادرة: " إن الكلمة تستطيع إيقاف حرب وإشعال فتيل أخرى، فلتكن كلمتنا هي الأقوى، لأننا سنكون يوما مرجعا للأجيال القادمة"، مطالبة أصحاب الفن والأدب بضرورة إثراء العربية وملء جرار اللغة من الأحداث الراهنة، لتصبح موسوعة يتسنى الرجوع إليها كوثيقة شاهدة على العصر.
وعن أثر الشعر على متابعيها وتفاعلهم مع ما تنشره، رأت عبد القادر أن القراء تشدّهم الكلمة الواصفة للحدث أكثر من الحدث نفسه، لا سيّما إذا كانت الكلمة مغنّاة؛ فتأثيرها أكبر وأعظم.
المقاومة الناعمة
اما رسام الكاريكاتير د. علاء اللقطة، والذي جعل من ريشته سلاحاً يدافع به عن الأقصى ويوثق أحداثه في مساحة تحددها الخطوط والألوان، اعتبر أن الرسوم الكاريكاتورية، كان لها دور عظيم وفعال في تصحح مسار البوصلة باتجاه القدس والمسجد الأقصى خلال الفترة الماضية، بعد أن انحرفت في منزلقات الانقسام والتجاذبات الحزبية والمناكفات السياسية، عازياً ذلك إلى شعبيتها الواسعة لدى كافة شرائح المجتمع الفلسطيني وخصوصا فئة الشباب.
وقال اللقطة في حديثه لـ "الاستقلال"، " إن فن الكاريكاتير من المقاومة الناعمة التي ترهق المحتل وتعريه وتفضح جرائمه، وفنان الكاريكاتير مهمته تحريضية لاستنهاض الهمم ورفع المعنويات وتعزيز الصمود"، لافتاً إلى أن تلك المهمة ركزت هذه الايام على بطولات المقدسيين وتحشيد الطاقات وتجييش العواطف نحو أحداث القدس وخاصة المسجد الاقصى الذي هو أقدس المقدسات وعنوان المعركة.
وفيما يتعلق بالمضامين التي عبر عنها اللقطة في رسوماته مؤخراً، أوضح أنه ركز على أحقية الشعب الفلسطيني في مدينة القدس، وأن ما يقوم به الاحتلال هو تعدٍ صارخ على المقدسات الإسلامية، ودحض الادعاءات الإسرائيلية حول هيكلهم المزعوم ومطامعهم في البقعة المقدسة، ودعم وتعزيز صمود المقدسيين في دفاعهم المستميت عن المسجد الأقصى.
كما ركزت الرسومات على الجانب التحريضي للفلسطينيين في كل مكان للانتفاض نصرة للأقصى وتخفيف الحمل عن أهل القدس، وتحذير المحتل من أن الأقصى خط أحمر لا يمكن تجاوزه، بالإضافة إلى فضح التقاعس والخذلان العربي والإسلامي الرسمي الذي وصل إلى حد التآمر.
وأكد اللقطة، أنه بفضل الانفتاح الذي وفرته مواقع التواصل، أصبحت مضامين الكاريكاتير خلال سويعات قليلة تجوب بقاع الأرض وتتخطى الحدود الجغرافية والدينية واللغوية لتخاطب الجميع بلغة الفن الراقي المحببة والمؤثرة في آن واحد.
ويعتمد اللقطة في عمله على فن الكاريكاتير الصامت الذي يتحدث دون كلام ويعبر دون حوار لما فيه من عمق في المعنى وأثر بليغ في النفس، وبحسب اللقطة فإنه يجمع بين ضحكة مرة ودمعة حارة في آن واحد ، ويوظف المتناقضات التي نعيشها ، ويركز على الأوتار الحساسة التي تستفز المشاهد وتستحث وتحركه.
وطالب اللقطة، الفنان بضرورة أن يعيش الحدث على مدار الساعة ويستخلص منه فكرة يومية جديدة يجسدها رسما ويقدمها للقارئ، متعاليا على مشاغله وهمومه ومشاكله الشخصية ومقدما القدس والقضية الفلسطينية فوق كل اعتبار.
معنى كبير
من غزة إلى القدس ومن أصغر ذرات التراب يصنع الفنان الفلسطيني أسامة سبيتة كلمات ضخمة تستطيع أن تراها كل العيون وتتأثر بها كل النفوس، لتعلم أن في القدس خاصة وفلسطين عامة نضالا وجهاداً وحرباً وانتصاراً.
وكغيره من الفنانين استغل سبيتة، موهبته في فن النحت من أجل دعم القضية الفلسطينية من خلال رسوماته التي هي سلاح الفنان وطريقه للتعبير عن الظلم والمعاناة، فعبارة " للبيت رب يحميه" التي نحتها على شاطئ بحر غزة، كانت تعبيراً عن وفاة الضمير العربي وتخاذل الحكام العرب عن حمايه المسجد الأقصى، فيما جاء نحته لعبارة " أناديكم " على شكل خارطة فلسطين، تجسيداً لتدهور الأوضاع على أبواب المسجد الأقصى بعد اغلاق الاحتلال له ومنع الفلسطينيين من الدخول للصلاة فيه.
واعتبر سبيتة في حديثه لـ "الاستقلال"، أن هذه الرسومات وغيرها، متمثلة في جمل قصيرة وكلمات لها معنى كبير جدا، توضح الاوضاع الصعبة وتعبر عن الاحداث الاخيرة بالمسجد الاقصى من رباط وصمود المقدسيين والعنف الاسرائيلي ضدهم من خلال مادة إبداعية ولوحة فنية يراها الجميع، حتى وإن كانت سرعان ما تندثر فإن صورها تبقى مشعلة مواقع التواصل ومعارض الفن.
وعن الرسالة التي تكمن وراء الاعمال الفنية التي يقدمها سبيتة، لفت إلى أن في غزة المحاصرة مواهب تستطيع أن تنقل للعالم صورة ما يدور في كافة الاراضي الفلسطينية وان قضية شعبنا هي واحدة ويدافع عنها كل فلسطيني مهما اختلف مكان تواجده.
وحول اختياره لشاطئ البحر لنحت رسوماته، أوضح أن الشاطئ مكان عام وبه عدد كبير من الناس وبالتالي يضمن رؤيتهم للأعمال وتأثرهم بها، ويظهر ذلك في التقاطهم صوراً للأعمال ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتفاعلهم معها بشكل كبير سواء في مكان الرسم أو على الصفحات الالكترونية، بالإضافة إلى قيام الوكالات ووسائل الاعلام بنشر صور رسوماته .
مرآة المجتمع
من جانبه أثنى الناقد الأدبي عبد الحميد مرتجى، على الدور المهم الذي تقوم به الفنون الفلسطينية في تدوين قصة الكفاح والجهاد والصبر في فلسطين ، مؤكداً أن ريشة الفنان وقصيدة الشاعر وقصة القاص، وأهزوجة الزجال، ورواية الراوي تنقل وتروي معالم الواقع ولكن بفن وعاطفة وخيال يجعل التاريخ أجمل وأقرب للنفس.
وأوضح مرتجى في حديثه لـ"الاستقلال"، أن الفن المقاوم في قضية القدس والأقصى بعث برسائل كبيرة ومؤثرة ، رسما وشعرا وقصة، مؤكداً على وجود الكثير من الأقلام الملهمة التي حققت الانتماء في أبهى صوره للوطن والقضية.
وأشار إلى أن الانتشار الواسع لهذه الفنون إلى حد كبير، فلا تكاد صحيفة أو صفحة أو موقع الكتروني تخلو منها، معتبراً أن القضية الفلسطينية هي الباعث الأكبر وراء اتساع انتشار الفنون.
وقال مرتجى: " إن المجتمع الفلسطيني وذائقته الفنية مازالت سليمة وواعية وترفض الفن الهابط وتتفاعل مع الوطني والإسلامي وحتى البدوي ، فالتراث يبعث فينا روح الأصالة والارتباط بالوطن والعودة ".
وذكر مرتجى، أن ايقاع أحداث الأقصى أكدت على أن الحالة الفنية المقاوِمة بخير وتشكل باعثا للحشد وتجيش العاطفة الوطنية، وتمثل نموذجاً للفن ورسالته الجميلة التي تحضر في وقت الفرح وفي حالات الصمود وتبعث كلماتها على الهمة والمقاومة والصمود والتحدي.


التعليقات : 0