المصدر : صحيفة هآرتس ،،،، بقلم : توني كلج - ترجمة
محمود أبو علي – مركز فلسطين
إحدى الأهداف الأصيلة للحركة الصهيونية متمثلة في تطبيع علاقات اليهود مع الشعوب الأخرى ، ولكن كيف سيكون الوضع لو أدت سياسات دولة إسرائيل إلى تمكين دعوات معاداة السامية بدلا من ذلك ؟
فالعقود الماضية شهدت بلا شك ارتفاعا ملحوظا في دعوات معاداة السامية ، خاصة في العالم العرب والإسلامي ، ولكن تشخيص السبب الرئيس لذلك لم يحسم بعد ، فوفقا لنتيجة خلصت لها حينما كنت باحثا حديث السن في منتصف السبعينات ، فإن استمرار سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية ، تستلزم بالضرورة القيام بأفعال متكررة من المقاومة من قبل شعب يعتبر أن ما يحصل له ليس إلا اعتداء بفرض الاستعمار اليهودي عليه ، والحيلولة دون استقلاله .
فطالما أن إسرائيل تواصل سيطرتها على تلك الأراضي ، فإنها لن تملك أي خيارات سوى الانتقام بشكل عنيف لضمان استقرار سيطرتها . ونتيجة لذلك فإن الانتقاد الأخلاقي للحالة الإسرائيلية سيؤدي مآلا إلى تآكل الدعم الدولي الذي تحظى به إسرائيل في الخارج .
فهذا الاستقطاب الحاد يستلزم بالضرورة ارتفاعا مجنونا في دعوات معاداة الصهيونية ، لا أجزم أن هذه كل القصة ، ولكنها جزء جوهري في المشكلة .
ارتفاع موجة المعاداة لليهود في العالم العربي والإسلامي هو جانب وحيد من جوانب المعادلة ، فالجانب المقابل متمثل في العداء للعرب والمسلمين المتصاعد في المجتمع اليهودي . فهذا التصاعد الموازي في هذه الظواهر ليس وليدة الصدفة ، فكل منهما يغذي الظاهرة الأخرى ويعطيها مزيدا من الاحتقان ، لذلك لا ينبغي النظر إلى إحداهما معزولة عن الأخرى .
ولكن هذه التوجهات لم تكن منتظمة ، فخلال «سنوات أوسلو» في التسعينات ، شهدت الثقافة السياسية تغيراً ، مما أفضى إلى انخفاض الحوادث المعادية للسامية ، وقبل ذلك اضطرت مصر لتخفيض نبرة العداء لإسرائيل بعد مبادرة السلام التي طرحها السادات عام 1977، وبالمقابل توقفت السفارات الإسرائيلية عن تصوير الرئيس السادات كرمز للنازية .
طيلة عدة عقود انتشرت معاداة السامية بشكل راسخ في الدول الأوروبية ، حيث كانت هذه الكراهية المختصة باليهود نتاج الصورة التي عُبّر فيها عن اليهود في الكتابات المسيحية ووفقا لما يراه البروفيسور بيرنارد لويس ، ولكن وفقا للويس فإن معاداة السامية لم تكن موجودة في العالم الإسلامي ، ويرى أن طراز معاداة السامية الأوروبي لم يظهر إلا بعد الصراع العربي الإسرائيلي وقد تسارع بعد حرب عام 1967 .
سيكون من المفاجئ القول أن بعضاً من المشاعر المعادية لليهود لا زالت مستمرة جزئيا في المجتمع المدني الأوروبي في أحزاب اليمين أو الوسط أو اليسار . ففي المملكة المتحدة توجد العديد من الاتهامات بمعاداة السامية لعددٍ من حزب العمال الذي يتزعمه جيرمي كوبرن.
وفي دولٍ أخرى مثل الولايات المتحدة ، لا تزال بعض اللمحات المعادية للسامية مثل منع النساء اليهوديات من إظهار نجمة داوود في مظاهرة ديكي في شيكاغو في يونيو الماضي .
ولكن بالوقوف على معنى معاداة السامية سنجدها تشمل كل شخص يبغض اليهودَ ، ولا تشمل من يبغضه اليهودُ» ، ولعل حالة جيرمي كوبرن خير برهان : فهل تكرهه بعض الدوائر اليهودية لاتهامه بمعاداة السامية دون دليل حقيقي على ذلك أم تكرهه لالتزامه بمبادئ حقوق الإنسان المغيّبة عن الساحة الفلسطينية ؟
فمعاداة السامية منبوذة كما جميع أنواع التفرقة العنصرية ولكن الادعاءات الخاطئة أو المبالغة بوجودها شيء منفر وسيؤدي إلى نتائج عكسية ، ففضلا عن أن ذلك سيجعل الاتهام بالسامية مبتذلاً ، فإنه سيؤدي إلى تغذية الخطر المقابل .
كما أن الكثير من الدعم الممنهج لإسرائيل أو الأفعال الإسرائيلية لا يعبر عن صدق هذا الدعم بقدر تعبيره عن الرغبة في التحرر من الاتهام بمعاداة السامية ، فضلا على أن معاداة السامية و عداء إسرائيل ينبغي ألا يكون غطاءً للداعمين لإسرائيل بممارسة مزيد من الكراهية ضد نظرائهم .
لكن التوق لتطبيع مزيد من العلاقات بين اليهود والشعوب الأخرى لم يصل إلى المستوى المطلوب بعد . ولكن المفتاح الأكثر أهمية للوصول لهذه الغاية متمثل في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي دون أية ذرائع والاتفاق على تسوية عادلة للصراع مع الفلسطينيين و العالم العربي علماً بأن هذه الفرصة لا زالت قائمةً .
ترجمة
محمود أبو علي – مركز فلسطين


التعليقات : 0