نتنياهو  وجباية ثمن انتصار الأقصى

نتنياهو  وجباية ثمن انتصار الأقصى
القدس واللاجئين

مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية/ إسماعيل مهرة

 

يمكن القول إلى حد بعيد ان شخصية نتنياهو، كزعيم سياسي وكصاحب قدرة ونفوذ سلطوي كبير، لم تهتز ولم تمس على مدار سنوات حكمه الطويلة، كما هزتها ومستها ثورة الاحتجاج على بوابات الأقصى الالكترونية.

 

في اليمين وفي اليسار، داخل الحكومة وخارجها، وحتى على مستوى مركز حزب "الليكود" تسود قناعة تامة بأن إسرائيل بقيادة نتنياهو قد مُنيت بهزيمة كبيرة في معركة الأقصى، وأن الفلسطينيين قد حققوا انتصارًا كبيرًا، لكنهم يختلفون في توزيع مسؤوليات الهزيمة، فالكثير يحملون مسؤوليتها لإدارة نتنياهو، وهؤلاء ينقسمون بين من ينتقد تردد نتنياهو وجبنه ومن ينتقد سيطرة المستوطنين وتيار الصهيونية الدينية على توجهات نتنياهو، التي تجعله يفقد مهنيته وتوازنه في محاولة منه للتنافس على معسكر اليمين، ممّا يجعله يتورط ويورط الدولة معه في معارك لا تخدم المصالح العليا الإسرائيلية. لكن الدوائر المقربة من نتنياهو، لا سيما داخل حزب "الليكود"، تحاول ان تجد كبش فداء لتحميله المسؤولية، وقد وجدوا في المستوى الأمني مثل هذا الكبش، فحولوه إلى كيس للكم وتوجيه التهم العلنية غير المسبوقة تقريبًا، باتهامهم بالجبن والهذيان، وحتى بخدمة أجندات يسارية.

 

نتنياهو أدرك منذ اللحظة الأولى أنه تورط بالدخول إلى معركة خاسرة، حيث ارتكب فيها حماقات كثيرة وكبيرة جعلته يدفع ثمنًا كبيرًا على مستوى تراجع شعبيته وتآكل شخصية (سيد الأمن)، وهو يدرك أن أولى أخطائه كانت في تقديره الذي ربما بناه أيضًا على تقديرات المستوى الأمني والمتعلق بتقدير ضعف ردة الفعل الفلسطينية بناءً على قراءتهم للمشهد الفلسطيني، وضعف الاهتمام العربي، حيث العرب غارقون في أزماتهم وباتت تربطهم مع إسرائيل مصالح تقيّد موقفهم، أما ثاني أخطائه المزايدة على تصريحات بينيت، حيث أعلن بعنجهية على سلم الطائرة التي كانت ستقلع به إلى شرق أوروبا "طالما أنا رئيس وزراء، فلن ترفع البوابات"، واستطرد بأن "أحدًا لن يمنعنا من ممارسة سيادتنا على جبل الهيكل".

 

لكنه حتى عندما فهم بأنه خسر المعركة، حاول قدر الإمكان أن يخفف من حجم الخسارة، فارتكب حماقات أكبر عززت الانتصار الفلسطيني وأظهرت حجم الانهزام الإسرائيلي، ففي آخر 48 ساعة من عمر المعركة وافق نتنياهو على رفع البوابات، لكنه أبقى على الكاميرات، ثم وافق على رفع الكاميرات لكنه أبقى على الجسور، ثم وافق على رفع الجسور لكنه أبقى على بعض الأبواب مغلقة، ومنها باب حطة، ثم فتحت كل الأبواب، فدخل الفلسطينيون مهللين مكبرين، ونُقل ذلك في بث حي من قبل التلفزة الإسرائيلية، فشعر نتنياهو بالتأكيد بحالة من التعرق وفقدان التوازن. وفي المساء جاءت نتائج استطلاعات القناة الثانية السيئة لنتنياهو فيما يتعلق بمستوى رضى الجمهور عن قيادته للمعركة، صحيحٌ ان استطلاعات القناة العاشرة في اليوم التالي أكدت على أنه لا بديل لنتنياهو داخل المعسكر القومي، وأن المعسكر القومي اليميني لا زال هو الأقدر على تشكيل الحكومة، إلا ان نتنياهو يدرك المغزى الحقيقي لتآكل شخصيته كزعيم لليمين، لا سيما عندما يترافق ذلك بالكثير من التحقيقات وتآكلها على المستوى القيمي والأخلاقي.

 

وهو الأكثر إدراكًا وخبرة بما يريده الجمهور الغوغائي المتعطش للانتقام والمشبع بالكراهية، فمن الواضح أنه يقدر بأن العلاج لإعادة ترميم شخصيته ولحرف أنظار الإعلام عن معركة الأقصى لابدّ يكمن في القيام بعمل أو تصريح استثنائي، فنظم قبل ذلك لقاءً متلفزًا مع قاتل الأردنيين بث عبره الكثير من العنجهية والبطولة المبالغ بها وإظهار الأمر وكأنه إدارة معركة وإنقاذ من داخل الميدان برغم أنف العدو، ثم انتقل مباشرة في اليوم التالي لفتح الأقصى، لزيارة عائلة قتلى عملية "حلميش" معلنًا تأييده لحكم إعدام منفذ العملية البطل عمر العبد، مشترطًا إجماع القضاة التسعة، وهو بذلك لم يقدم جديدًا، حيث ان حكم الإعدام موجود في القانون الإسرائيلي ويشترط ان يطالب به الادعاء ويوافق عليه قضاة المحكمة التسعة.

 

ويبدو ان سلوك نتنياهو في الأيام الأخيرة يشير إلى انشغاله بإعادة ترميم شخصيته عبر قيادة وركوب موجة تدفيع الثمن الرسمية، فكان التعويض الأول للمستوطنين في غض النظر عن احتلال المستوطنين لبيت عائلة الرجبي في مدينة الخليل، وتسريب موافقته على نقل مدينة أم الفحم إلى المناطق الفلسطينية، وموافقته على تشريع قانون الهوية القومية والقوانين الخاصة بالقدس، أما على مستوى تأكيد زعامته لحزبه "الليكود" وتأكيد التفاف قيادة الحزب خلف زعامته، فهو يعرض عليهم خطة عبر مقربه ورئيس الائتلاف الحكومي دافيد بيتان، خطة تضمن لعدد أكبر منهم الحصول على وظيفة عضو كنيست عبر تطبيق ما يعرف بالقانون النرويجي بصيغته الموسعة، وتضمن لأغلبهم العودة للكنيست القادمة عبر توسيع قائمة التنافس القطرية.

 

الفلسطينيون كسبوا معركة في الحرب على القدس والأقصى وعلى الأراضي الفلسطينية، لكنهم في إسرائيل يتحركون سريعًا على جبهة تدفيع الثمن والانتقام والثأر من النصر الفلسطيني، سواء على المستوى الاستيطاني والتهويدي والقانوني أو على مستوى التضييق على الفلسطينيين، سلطة وشعبًا، لا سيما في مدينة القدس؛ وهذا ما أعلنه صراحة مفتش عام الشرطة روني الشيخ، حيث صرح بأنه "في اليوم التالي سيعرف الفلسطينيون من هو صاحب السيادة".

 

الصمود وتحقيق الانتصار ممكن وممكن جدًا، لكنه يتطلب أولًا علاج الحالة الفلسطينية ورأب الصدع وبناء بيت الوحدة الوطنية.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق