همساته وصلت الجميع

عبد الرحمن أبو هميسة..  شهيد لم ينته عشقه للأقصى

عبد الرحمن أبو هميسة..  شهيد لم ينته عشقه للأقصى
مقاومة

الاستقلال/ دعاء الحطاب

لم يُبالِ بشمس تموز الحارقة، ولا بالأسلاك الشائكة التي تحول بينه وبين مواجهة مباشرة مع الاحتلال، ارتدى ملابسه وودع والدته بابتسامة سريعة ثم خرج مسرعاً، حيث خطوط المواجهة والتماس مع العدو على الحدود الشرقية لمخيم البريج وسط قطاع غزة، هامسا في آذان الجميع بضرورة تلبيه الدفاع عن الأقصى ونصرته، بعدما صعد الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته على المسجد الأقصى ونصب  البوابات الكترونية على مداخله .

 

فبقلب أسدٍ ثائر، ترجل الفتي عبد الرحمن ابو هميسة (16عاماً) ومجموعة من رفاقه إلى حدود التماس مع الاحتلال، متقدماً الصفوف الأمامية وعلم فلسطين يلوح بيده ولسانه يردد « بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، ألقى حجر ثم حجراً وأشعل اطارات مطاطية، دون أن يعلم أن ثمة من يراقبه، في دقائق اتخذ قرار إعدامه مدنياً ، فصوب جنود الاحتلال فوهات بنادقهم القاتلة تجاهه وانطلقت  رصاصات الحقد لتستقر في جسده الصغير، حتى ارتقى  شهيداً وعانقت روحة الطاهرة أرواح شهداء هبة الأقصى.

 

طفلٌ ثائر

 

اعتاد أبو هميسة الخروج دائما في مسيرات "نذير الغضب" السلمية التي كانت تتوجه لنقاط التماس مع الاحتلال على الحدود الشرقية للقطاع، على أمل أن يشكل تواجده هو ومئات الشبان الفلسطينيين ومضة تلفت الضمير الدولي والإنساني لمعاناة شعبهم، حيث اعتقل في إحدى  المرات من قبل قوات الاحتلال عند بدأت أحداث الانتفاضة الثالثة قبل عامين، وخضع خلالها للتحقيق والتعذيب وحكم عليه 4 شهور.

 

وبدموع الحسرة وألم الفراق سردت والدة الشهيد بعضاً من تفاصيل حياته خاصة فيما يتعلق بمشواره الذي عاشه منذ صغره:" عبد الرحمن كان دائماً يلح للذهاب مع أصدقائه على الحدود وفي كل مره كنت أمنعه خوفاً عليه لأنه مازال طفلا، وبالرغم من تحذيري  له أصر على الخروج واعتقل وقتها لمدة 4 أشهر، ذاق كل انواع التعذيب وعمره لا يتجاوز الـ( 14عاماً)".

 

وأضافت الأم المكلومة خلال حديثها لـ"الاستقلال" : «بعد الافراج عن عبد الرحمن، خرج أكثر عزيمة وقوة وإرادة على مواصلة دربه في الدفاع عن قضيته وشعبه، مستذكرة كلماته» يما انا في السجن شوفت شو يعني احتلال، لازم احنا انضل نقاوم لنحرر فلسطين، الأسرى والشهداء مش أحس منا". 

 

موعد مع الشهادة

 

وتقول والدته: يوم الرابع عشر من تموز كان يوماً مميزاً في حياة عبد الرحمن، فبعد ساعات طويلة قضاها في متابعة ما يحدث في القدس تغيرت ملامحه واعتلى الغضب وجهه، وفجأة صرخ وضرب يده في الجدار وقال بصوت عالٍ " الا الأقصى" حينها اشفقت عليه، وبدأت بتهدئته لكنه لم يستجب وخرج، ولأول مرة أشعر انه كان كالبركان الهائج، واستمرت ثورته واندفاعه حتى لقي الله شهيداً يوم الجمعة الماضي. 

 

وتتابع والألم يعتصر قلبها:" استشهاد عبد الرحمن صدمة كبيرة النا، ما كنت بيوم اتوقع انه يستشهد بهاد العمر". مؤكدةً أن استشهاده ترك ألماً كبيراً في قلبها وقلب أحبائه، وترك فراغا لا يمكن أن يملأه أحد من بعده، وعزاؤها الوحيد أن نجلها حقق حلمه بالشهادة التي طالما تمناها.

 

وتستذكر الأم المغلوبة على أمرها آخر ساعات لابنها في المنزل قائلة : " كان عبد الرحمن على غير طبيعته مشاغب وبضحك كتير، يمازح الجميع ويحضنهم ويلاعب أخواته بشكل غريب، وقتها غلبني وطلبت منه يروح يجهز حاله لصلاة الجمعة، حكالي أمرك بس بدي أحضنك أخر مره، شعرت أنه متغير لكن لم أتوقع أنه كان يوعدنا". 

 

وتصف ابنها الشهيد، بأنه أحب أبنائها إلى قلبها، فقد كان طيب القلب بشوش الوجه، باراً بوالديه محباً لإخوانه حنوناً عليهم، يحب فعل الخير ومساعدة الآخرين، صادقاً ومحبوباً من الجميع، طفولياً لكن عقله كبير وذكي.

 

الوداع الأخير

 

وفي يوم استشهاده ، همت الام بالنوم، واستلقت على الفرش أحست فجأة بوخزة في قلبها نهضت على اثرها تصرخ عبد الرحمن، حينها توجه أبناؤها اليها يسألونها عما ألم بها فأخبرتهم انها تخشى على شقيقهم.

 

حاول من حولها طمأنتها لكن قلبها كان دليلها أمسكت بالهاتف وحاولت الاتصال به لم يجب، وما هي الا دقائق حتى جاء الخبر القاسي، صمتت الام ونظرت الى السماء وتنهدت وقالت الله يسهل عليك يما ثم انفجرت بالبكاء.

 

طلبت من أبنائها اصطحابها للمستشفى لتوديعه، دخلت الغرفة وكان وجهه مغطى، تقدمت نحوه ببطء وكشفت الغطاء ونظرت الى وجهه البريء، ثم حضنته بقوة وبكت بحرقة، تركها من حولها للحظات، لكنها لم تفلت ذاك الجسد الصغير، فنزعوه من بين يديها واصطحبوها معهم فخرجت تردد " طلبت الشهادة ونلتها يما". 

 

وأنهت حديثها لـ"الاستقلال" قائله:" لحظة الوداع صعبة جداً، من الصعب أن تودع قطعه من روحك وإنسان غالي وأنت بتعرف أنه اخر مره حتشوفه، بهادي اللحظة تمنيت لو أخبيه جواه قلبي وما أخلى حد يأخذه مني".

 

موكب التشيع

 

وداخل المسجد العمري الكبير وسط مخيم البريج، أقيمت صلاة الجنازة على الشهيد عبد الرحمن أبو هميسة ، حيث وقف الوالد أمام جثمان ابنه ليلقي عليه نظرة الوداع ويقبله، والدموع تنهمر من عينيه ويتمتم بكلمات: "الله يسهل عليك رفعت راسي".

 

وشارك في موكب التشيع العشرات من أبناء المخيم الذين حملوا جثمان الشهيد على الأكتاف وجابوا به شوارع وأزقة البريج ، وسط صيحات التكبيرات والهتافات التي تؤكد مواصلتهم الاستشهاد في سيبل الله والوطن وكان أبرزها " على القدس رايحين شهداء بالملاين"، إلى ووري  الثرى بمقبرة المخيم المركزية.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق