غزة/ قاسم الأغا:
حناجر تصدح بإعلان العهد والوفاء على التزام درب الشهداء، وأقدام تتسابق لتلحق بقلوب تهفو إلى صاحب المكان والزمان، علّها تلتمس قبساً من نور إيمان ووعي وثورة متدفق من بين ثنايا صورٍ ازدحم بها المكان، الذي بات قبلةً للعاشقين والباحثين عن فلسطين.. أصل الحكاية وعنوان البداية...
إنها ساحة الكتيبة إلى الغرب من مدينة غزة الوادعة، والهادئة، التي وقفت عنيدة وشامخة في وجه أمواج البحر، التي قال عنها يوماً صاحب المكان والزمان "لو غزة بتخاف من البحر ما جلست على الشاطئ!".. لتستقبل اليوم زحوفا بشرية هادرة من كل أصقاع القطاع الساحلي المحاصر، علّها تحظى بشرف تقديم واجب التهنئة بارتقاء من حنّت القلوب لسماع صوته، ورؤية مبسمه الذي لطالما قذف بالحق به على الباطل فدمغه فإذا هو زاهق مبين..
فكم كانت الطريق طويلة حتى وصلنا إلى ساحة الكتيبة التي ازدحمت بالمحبين والمريدين والعاشقين على اختلاف ألوانهم وانتماءاتهم ومشاربهم السياسية والفكرية، التقوا جميعا على حب المحتفى برحيله الموجع والمفجع هناك في بيروت حيث الغربة واللجوء والشتات، إنه الراحل الوطني الكبير د. رمضان عبد الله شلّح الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
اقتربنا أكثر فأكثر صوب الخيمة التي وسعت الجميع على اختلافاتهم، قادة "الجهاد الإسلامي" يتوسطون قادة الفصائل كافة، "حماس"، و"فتح"، والجبهتين "الشعبية" و"الديمقراطية" لتحرير فلسطين، وغيرهم، يستقبلون جموع المعزّين؛ حبًّا ووفاءً للقائد الوطني الكبير.
على جانبي مدخل الخيمة، عشرات المقاومين الملثمين يقفون في صفين متوازيين، فالراحل كان مرشدًا وملهمًا لهم، تشحذ كلماته الراسخة فيهم العزم والإرادة للتمسك والسير على نهج الجهاد؛ لتحقيق غايتين إما النصر أو الشهادة في سبيل الله.
دقائق معدودات، حتى وصل الخيمة مسير عسكري مهيب لسرايا القدس، الجناح العسكري للجهاد الإسلامي، يتقدمهم قادة الأولوية والكتائب؛ للتعزية بوفاة أمين حركتهم وسراياها لأكثر من 20 عامًا، وتجديدًا للعهد والوفاء بالمضي قدمًا على درب المقاومة والتحرير، تحت لواء الأمين العام القائد المجاهد زياد النخالة.
يقول أبو محمد وهو أحد الملثّمين المشاركين بالمسير "خرجنا للتأكيد على التشبّث بالمقاومة عقيدة ونهجًا لتحرير فلسطين والقدس والمسجد الأقصى من دنس العدو الصهيوني الغاصب، فالوفاء لروح القائد الراحل أبو عبد الله، يستدعي السير على درب المقاومة والوحدة الوطنية".
داخل الخيمة، يتجسد مشهد الوحدة الوطنية بشكل أكبر، لافتات وأكاليل زهور تنعى الأمين السابق، يجلس هنا القادة الفرقاء إلى جانب بعضهم، وكأن حالة الانقسام لم تكن، وحّدهم "الوطني الكبير" بعد رحيله، كما كان يتمنى في حياته.
يتوسط صفوف المعزّين رجل على كرسي متحرك، يُدعى إبراهيم الحداد، يقول "جئت إلى هنا لأقدم واجب العزاء برحيل قائد كبير، لم يكن قائدً لحزبه، بل شخصية فاقت بعطائها ومواقفها الوطنية حجم الوطن".
ويضيف الرجل الأربعينيّ "هذه المشاركة الواسعة واللافتة استفتاء شعبي على صوابية نهج حركته الوطني الخالص، الذي لن تحيد عنه بقيادة المجاهد زياد النخّالة".
على بعد أمتار، تجلس عائلة الشهيد بهاء أبو العطا، القائد في "سرايا القدس"، الذي اغتالته "إسرائيل" بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، يقول أبو بهاء "تلقينا نبأ وفاة الراحل أبو عبد الله بحزن وألم شديدَين، فقد شغل حبه حيزًا واسعًا في قلب بهاء، وذوي الشهداء جميعًا".
وأكمل "في هذا المقام، نجدد العهد والوعد أن نبقى على عهد المقاومة والشهداء، ونحفظ وصاياه الوطنية والشجاعة".
في المقابل، تجلس مجموعة من الأسرى المحرّرين من سجون الاحتلال، فقضية الأسرى كانت على سلّم الأولويات بالنسبة للراحل شلّح، منذ أن قاد حركة الجهاد الإسلامي (1995-2018).
"لقد رأينا في القائد الكبير، صدق الانتماء لفلسطين، ولقضاياها وثوابتها الراسخة، لاسيما قضيتي الأسرى والشهداء"، يقول الكاتب والباحث في شؤون الأسرى رامز الحلبي، الذي يتابع "كان من البرّ والوفاء أن يؤمّ الأسرى المحرّرون خيمة العزاء".
وعلى المنوال ذاته، يرى الجريح الشاب نضال الشيخ خليل، في أمين المقاومة قائدًا، خسرت فلسطين برحيله الكثير.
ويتابع الشيخ خليل وإلى جواره 3 جرحى، بُترت أحد أطرافهم السفلى برصاص قوات الاحتلال على حدود غزة خلال مشاركتهم بمسيرات العودة وكسر الحصار "جئنا هنا حبًا ووفاءً، فلهذا القائد مكانة كبيرة في قلوبنا، لا تقل عن مكانة سلفه القائد النخالة".
وعُرف عن الأمين العام الراحل، إيمانه بأهمية دور المرأة الفلسطينية في المقاومة وتربية الأجيال على المعاني الوطنية السامية، حتى باتت أنموذجًا من نماذج التضحية والفداء.
"لقد كان شقيقي الراحل يؤمن بدور المرأة، وعمل على تعزيز مكانتها وقدراتها في ميادين العمل (التنظيمية والجهادية والدعوية)، إلى جانب الرجل، كونها شريكة له في مراحل النضال الوطني، فضلًا عن أنها أم أو زوجة"، كما تقول أم عبد الله شلّح، شقيقة القائد الوطني الراحل.
وتشير "شلّح" وهي تستقبل النساء المعزيات في خيمة عزاء خصصت لهنّ على أرض "الكتيبة" إلى أنها ومنذ العام 1985 لم تلتق بشقيقها؛ "لكنه كان على اتصال مستمر معنا في كل مناسباتنا".
أما عن حجم المشاركة النسائية في خيمة العزاء، تبيّن آمنة حميد، المتحدثة باسم دائرة العمل النسائي لحركة الجهاد الإسلامي، أنها "شهدت حضورًا واسعًا ومتنوعًا من مختلف الأطر والمؤسسات والشخصيات الرسمية والتنظيمية والمجتمعية، فضلاً عن أمهات الشهداء والأسرى والجرحى، اللواتي أوصى بهنّ الأمين الراحل في حياته وبعد رحيله".
وشيّع آلاف الفلسطينيين يتقدمهم الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي القائد زياد النخالة، وقادة فصائل فلسطينية في دمشق الأحد، جثمان الراحل د. رمضان شلّح، حيث ووري الثرى في مقبرة الشهداء بمخيم اليرموك بجوار الأمين العام المؤسس د. فتحي الشقاقي.
وفي كلمة عقب أداء صلاة الجنازة، في مسجد "الأكرم" بدمشق، نعى القائد "النخالة" سلفه، قائلًا "لقد كان رجل الكلمة وفارس الموقف ورجل المقاومة والجهاد ورجل فلسطين"، مضيفاً أنه "ترك بصمة واضحة في مسيرة الشعب الفلسطيني باتجاه القدس والأرض".
أما في قطاع غزة، فقد أدت جماهير غفيرة من أبناء شعبنا صلاة الغائب على روح الأمين العام السابق للجهاد الإسلامي، في المسجد العمري وسط مدينة غزة، بمشاركة الفصائل الفلسطينية كافة، كما أقيم له بيت عزاء في ساحة "الكتيبة" وسط المدينة، أمّه عشرات آلاف المعزين.
وكانت حركة الجهاد الإسلامي أعلنت مساء السبت، وفاة "شلّح" الذي قاد الحركة لأكثر من 20 عامًا (1995-2018) عن عمر ناهز 62 عاماً، بعد صراع مع مرض عضال.


التعليقات : 0