حظي بإجماع قلّ نظيره

المفكّر الراحل د.شلّح... رجل الوحدة والمقاومة في زمن التباينات

المفكّر الراحل د.شلّح... رجل الوحدة والمقاومة في زمن التباينات
فلسطينيات

 

غزة/ سماح المبحوح:

رغم التباينات الكثيرة التي بدت في السنوات الأخيرة على المشهد الفلسطيني، كنتيجة طبيعية لحالة الانقسام التي عصفت بكل مكونات الساحة الفلسطينية منذ نحو 14 عاما، إلا أن رُوح الوحدة التي امتاز بها القائد الوطني الكبير، الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين د. رمضان عبد الله شلّح، استطاعت وهي تعود إلى بارئها بعد رحلة بذل وجهاد وعطاء، أن تُعيد للمشهد الفلسطيني صورته الحقيقية التي يجب أن تكون، من وحدة وتكاتف وتعاضد...

 

ففي وحدة حال قلّ نظيرها في الساحة الفلسطينية منذ سنوات طوال، أجمعت مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني من فصائل ومؤسسات ومفكرين وأصحاب قرار، على أن الراحل الدكتور "شلّح" جسد في حياته ومماته أنموذجا للوحدة الوطنية، ومثالا يحتذى في الانتماء الصادق لفلسطين ولخيار الجهاد والمقاومة.

 

ورحل د. شلح (62 عاما) عن هذه الدنيا بجسده، لا بفكره وتاريخه وإرثه الثقافي والسياسي والجهادي، مساء السبت الماضي في أحد مشافي العاصمة اللبنانية بيروت، بعد رحلة من المعاناة مع المرض، سبقتها سنوات من المحنة والتضحية وتقديم الواجب على الإمكان.

 

وقد ووري جثمانه الطاهر الثرى في مخيم اليرموك بسوريا الأحد، بجوار رفيق دربه ومعلمه د. فتحي الشقاقي.

 

مفكرٌ وحدوي

 

الكاتب والمحلل السياسي عبد الستار قاسم أكد أن فكر الدكتور شلح انسجم كليا مع التطلعات والآمال الفلسطينية التي استندت بالأساس على ثابتين، وهما حق العودة وحق تقرير المصير والخلاص من الاحتلال، وعدم التلاقي معه سوى في ساحات الجهاد والمقاومة.

 

وقال قاسم لـ"الاستقلال" :"على مدار سنوات قيادة الدكتور شلح لحركة الجهاد الاسلامي في فلسطين، لم يخالف القرارات الفلسطينية والميثاق الوطني الفلسطيني على غرار من وقعوا اتفاق أوسلو" ، مضيفا: "كان الدكتور يؤمن بأن قيام دولة أو كيان سياسي تحت سقف الاحتلال لن يُكتب له النجاح".

 

وأوضح أن الدكتور شلّح على الرغم من رفضه الكبير لاتفاق اوسلو وما حمله من بنود مخالفة لتطلعات وآمال الشعب الفلسطيني، إلا أنه حافظ على علاقته مع الجميع بمن فيهم الموقعين عليه، وتمسك بالقرارات الجماعية ، ولم يحاول يوما الخروج عن الاجماع الفلسطيني .

 

وأشار إلى أن الأمين السابق للجهاد على الصعيد الداخلي بقي محافظا وداعيا للوحدة الوطنية وينظر لها على أنها ركيزة أساسية لمراكمة قوة الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي ، ورافضا للانقسام البغيض الذي فتّ في عضد الفلسطينيين.

 

ولفت إلى أن الساحة الفلسطينية منذ ما قبل النكبة وما بعدها، لم تشهد مفكرا متقدما ومنظما، ويحمل رؤية واضحة للحالة الفلسطينية، ويقيس خطواته العملية بعلاقاته الداخلية والخارجية، مبتعدا عن الشعارات الفارغة والخطابات الرنانة، مثل الدكتور الراحل أبو عبد الله شلّح.

 

وأكد أن الراحل وبفطنة عجيبة، حرص على نسج وتعزيز علاقات خارجية وازنة لدعم مشروع المقاومة في فلسطين والمنطقة لمواجهة المشروع الصهيو- أمريكي،  وعلى رأس تلك العلاقات، العلاقات مع الجمهورية الإسلامية في ايران والمقاومة الإسلامية في لبنان (حزب الله).

 

رجل المقاومة والثقافة

 

من جانبه، رأى الكاتب السياسي مصطفى الصواف أن الدكتور شلح، تشهد له كافة المنابر بقطاع غزة والمحافل بمختلف الدول بخطاباته السياسية والاعلامية الصادقة، وكان نقي السريرة خطيبا مفوها وفقيها وشخصية مثقفة وصاحب سيرة عطرة ، إضافة إلى أنه حظي بعلاقات متينة مع مكونات المشهد الفلسطيني.

 

وأوضح الصواف لـ"الاستقلال " أن الأمين السابق لحركة الجهاد الاسلامي استطاع أن يؤسس جيشا وقوة قادرة على تحرير فلسطين برفقة زملائه من قادة القوى والفصائل الفلسطينية، إذ اختار طريق المقاومة والجهاد والكفاح المسلح .

 

وبين أن الراحل أبو عبد الله، آثر الانتماء لفلسطين ولخيار الجهاد والمقاومة على حياة الراحة، تاركاً مهنة التدريس في كبرى الجامعات العالمية، ليتفرغ للقضية الفلسطينية، رغم ما لها من تبعات جعلته ملاحقا أمريكيا وإسرائيليا.

 

وأشار إلى أن د.شلح بعد توليه قيادة حركة الجهاد الاسلامي، كان له فضل كبير بعد الشهيد المؤسس د. فتحي الشقاقي في تعزيز قدرات الحركة على الصعيد العسكري، لمجابهة الاحتلال الاسرائيلي، لافتا إلى أن الدكتور حمل الأمانة وقدم نموذجا لحركة مقاومة بوصلتها واضحة في اتجاه تحرير فلسطين ، فلم تنحرف يوماً لأهداف أخرى.

 

محور المقاومة

 

بدوره، اعتبر رئيس تحرير صحيفة الأخبار اللبنانية إبراهيم الأمين أن الدكتور شلح كان يهتم بالرواية المضادة، ويبحث عن سبل تأريخ ينفي السردية الصهيونية حول تاريخ القدس، وكان مهتماً بعلوم الآثار التي تثبت الرواية المناقضة للرواية الصهيونية.

 

وأوضح الأمين خلال مقال نشره الإثنين، أن الدكتور رمضان كان صاحب الكفاءات العلمية واللغات المتنوعة، يهتم بتفاصيل كثيرة خارج إطار المواجهة السياسية والعسكرية مع العدو، فكرة الاعلام والرواية والقصيدة والصناعة الرقمية كانت تأخذ من تفكيره.

 

 وبين أن  فكرة المقاومة الشاملة للاحتلال وداعميه والمتعاملين معه لا توجب أي خطوة غير عاقلة،  فلم يكن معجبا على الإطلاق بالفكرة العدمية التي تنهي النقاش بالدعوة الى استئصال مجموعة بشرية.

 

وأكد أن حساسية الدكتور شلح إزاء متطلبات وحدة محور المقاومة وقواها، جعلته على الدوام يخلق إطارا للنقاشات الخلافية، يتركه بعيدا عن إطار التفاعل في ما خص توفير كل دعم وجهد لقوى المقاومة.

 

وأشار إلى أن الأمين السابق لحركة الجهاد لم يكن يترك أحدا يجره إلى نقاش غير منتج من نوع طبيعة الحكم القائم في هذه الدولة العربية أو تلك، بل كان يأخذ النقاش إلى نصيب فلسطين وقضيتها من هذا الحكم أو ذاك، وهذه الجماعة أو تلك، لذلك، كان تمايزه واضحا مع حركة «حماس» حول الموقف من التطورات التي شهدها العالم العربي بعد عام 2011.

 

 وشدد على أن الدكتور فضّل الابتعاد عن النقاش المباشر بشأن ما يجري في سوريا، لذلك، لم يقطع اتصالاته أبدا مع مصر (مع تبدّل الحاكمين فيها)، ولم يقطع التواصل مع تركيا وقطر، ولم يترك سوريا، وظل على علاقة تفاعلية مع قوى المقاومة في لبنان والعراق، وبدأ التعرف جيداً على ما يجري في اليمن وتجربة أنصار الله هناك.

 

رثاء حزين

 

أما السفير والكاتب والمحلل السياسي عدلي صادق، فقد رثاه قائلاً:" على درب حرية فلسطين، أسلم أبو عبد الله الروح، في ضاحية بيروت الغربية، بعد سقام طويل، ظلت خلاله هذه الروح الناصعة العطرة، ترفرف في سماء القدس التي أحب، والوطن الذي نذر نفسه له، منذ أن تسلم الراية من أخيه الشهيد د. فتحي الشقاقي. لقد أبى أبو عبد الله، إلا أن يكون وداعه ممتداً على مر سنين، ظلت خلالها القلوب تهفو إليه، ليس كرجل اختار طريقه في بحرٍ عالي الموج، يُغالب الأنواء، ولكي تستمر الحركة التي سهر على استمرارها واشتداد ساعدها، فلا تخبو جذوتها، بعد أن نالت الأيدي الغادرة من مؤسسها وأمينها العام الأول.. فأي فتى كان رمضان، غير ذاك الذي كان العزم من صنيعته، وكان الود الجميل والعقل المستنير. لكنَّ هذه الدار لا تُبقي على أحد، فهنيئاً لك ارتقاؤك وأنت في ذروة نُبلك، وطوبى لك في غيابك وأنت في ذرى حضورك ".

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق