غزة / محمد أبو هويدي:
استعرض القيادي في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين محمد شلّح، محطات بارزة من حياة شقيقه الراحل القائد الوطني الكبير الأمين العام السابق للحركة د. رمضان عبد الله شلح، بدءاً من نشأته ودراسته وشغفه بالفكر والأدب، مروراً بتعرفه على مؤسس الحركة د. فتحي الشقاقي، ومشاركته في وضع اللبنات الأولى للحركة، وليس انتهاءً بتوليه أمانتها العامة، وإشرافه على سلسلة طويلة من عملياتها الفدائية، ورحيله المفجع هناك في المنافي والشتات.
نشأة واعدة
فقد ولد الراحل في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة بتاريخ 1 يناير لعام 1958م لأسرة محافظة ملتزمة مكونة من ١١ شخصاً، ودرس في مدارس المدينة وأنهى دراسته الثانوية بمدرسة يافا الثانوية، ليسافر بعدها إلى جمهورية مصر العربية ليدرس في جامعة الزقازيق (كلية التجارة) التي حصل منها على درجة الباكالوريوس في الاقتصاد عام 1981، ليعود بعدها إلى قطاع غزة ويعمل في محاضرا في الجامعة الإسلامية. وفق ما أكده شقيقه محمد.
شغف الراحل شلّح بالقراءة، جعلت منه شخصية واعدة في العلم والمعرفة والأدب والسياسة، وملما بالتاريخ أيضا، وباحثا أكاديميا، ما مكنه من الحصول على منحة لدراسة الماجستير في بريطانيا، حيث كان متفوقا في دراسته، الأمر الذي دفع بمشرفه بالإصرار عليه لمواصلة دراسته في الدكتوراة لما وجد منه مشروعا واعدا في مجال البحث العلمي والفكري، وهو ما تم بالفعل، حيث تدخل في حينه لدى رئيس الجامعة الإسلامية د. محمد صقر لمنح د. شلّح مزيدا من الوقت لاستكمال دراسة الدكتوراة.
ويكمل شقيقه، أنه بعد أنهى دراسته في بريطانيا ذهب إلى الكويت ليتزوج من ابنة خاله وهي قد أكملت دراستها الجامعية في تخصص الإدارة والحاسوب هناك، وسافرت معه إلى أمريكا وهناك كوّنا أسرة تضم إلى جانبهما أربعة من الأبناء (ولدان وبنتان).
وبعد ذلك توجه الدكتور الراحل إلى الولايات المتحدة، للعمل في جامعاتها، ليستفيد من ذلك بفتح علاقات مع الكثير من الكتاب والأدباء والكتاب والمفكرين الفلسطينيين والعرب والمسلمين، حيث تمكن من تأسيس مركز الإسلام والعالم للدراسات، وكانت تصدر عنه مجلة شاملة في دراسات متنوعة فيها دراسات اقتصادية وسياسية وعلمية وفيها من الشعر والأدب.
ما سبق من تميز في الدراسة الأكاديمية بالنسبة للراحل د. شلّح، لم يأتي من فراغ، كما يقول شقيقه محمد، وإنما جاء حصيلة طبيعية لمخزونه المعرفي والثقافي المتولد من نهم القراءة التي كان يمتاز بها، حيث كان يقرأ كتابا من مئتي صفحة في ليلة واحدة، ويقدم له تلخيصا شاملا ووافياً، عوضا عن شغفه بالشعر والأدب واللغة، وعلوم الدين، والتاريخ والاجتماع والسياسة والإعلام... ما جعل منه رجلاً موسوعياً في مختلف المجالات.
العلاقة مع الوالدين
لقد كانت علاقة الدكتور الراحل رمضان بوالديه مختلفة عن علاقته بإخوانه الآخرين، لما يتميز به من صفات ومزايا عديدة أهّلته لأن يتربع في قلوبهما ويحتل مكانة مميزة عندهما.
وأكد أن العلاقة مع الوالدة كانت مميزة جدا، حيث كانت تشد من أزره وتشجعه على المشاركة في العمل الوطني رغم ما يشكله ذلك من خطورة على حياته، مذكراً بالاتصال الذي أجراه د. رمضان بوالدته عقب اختياره أمينا عاما لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين خلفا للقائد المؤسس د. فتحي الشقاقي، حيث قالت له في حينها "توكل على الله وأنت على قدر الأمانة والمسؤولية".
ولفت إلى الراحل كثيرا ما كان يتفاخر بوالدته التي غرست في نفسه حب الثورة والمقاومة، لدرجة أنه يضع في مكتبه صورة لها وهي تشارك في التصدي لقوات الاحتلال خلال انتفاضة الحجارة (1987).
الدراسة الجامعية
لقد شكلت مرحلة الدراسة الجامعية نقطة تحول كبرى في حياة الراحل الكبير د. شلّح، حيث تعرّف خلالها على رفيق دربه في الجهاد والمقاومة د. فتحي الشقاقي ليشكلا معا -وبصحبة ثلة من الأخوة المثقفين الذين جمعهم حب فلسطين والاسلام والجهاد-، حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
وتابع شقيق الراحل: فبعد عودته (د. شلّح) من مصر بدأ نشاطه الدعوي والتعبوي والديني في قطاع غزة، فكان خطيباً مفوهاً وصاحب ثقافة وعلم غزير في مختلف المجالات، ما جعل قلوب المحبين والعاشقين لفلسطين تهفو نحوه.
كما تميّز في حينه، بخطاباته الثورية التي كان يلقيها في باحات المسجد الأقصى المبارك في ليالي العشر الأواخر من رمضان.
مغادرة الولايات المتحدة
خلال تواجد د. رمضان في الولايات المتحدة، عمل محاضراً في تخصص الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة فلوريدا، ولكنه في عام 1995 قبل استشهاد الدكتور فتحي الشقاقي، فكر بمغادرة الولايات المتحدة والعودة إلى قطاع غزة، للمشاركة في بناء وقيادة الحركة في القطاع، وذلك بالتوافق مع د. الشقاقي، الذي طلب منه النزول إلى سوريا لترتيب متطلبات المرحلة اللاحقة، وبالفعل أرسل زوجته وأولاده قبلها بنحو عام إلى غزة، ولكن شاءت الأقدار أن تتغير عندما قرر الدكتور فتحي الشقاقي أن يسافر إلى ليبيا لمتابعة أزمة اللاجئين الفلسطينيين هناك".
وأشار شقيق الراحل إلى أن د. رمضان نصح الشهيد الشقاقي بعدم الذهاب إلى ليبيا بسبب الظروف التي تمر بها نتيجة الحصار الأمريكي عليها، ما يصعب ويعقد حركة الوصول إلى الاراضي الليبية، إلا أن الدكتور الشقاقي رحمه الله أصر على الذهاب وقال للدكتور رمضان: "إن حارس العمر الأجل"، وذهب إلى هناك وتمكن من حل أزمة اللاجئين الفلسطينيين، وأقنع العقيد الليبي معمر القذافي بعودة الفلسطينيين إلى ليبيا؛ ولكن عند عودة الدكتور فتحي الشقاقي كانت الفاجعة الكبرى في جزيرة مالطا، حيث تعرض لجريمة اغتيال على أيدي الموساد الصهيوني، وهنا بدأ فصل جديد ومهم في حياة الدكتور رمضان شلح.
ويذكر شقيق الدكتور الراحل رمضان شلح، أن قيادة حركة الجهاد الإسلامي اجتمعت في الداخل والخارج وأجمعت على انتخاب الدكتور رمضان شلح أميناً عاماً للحركة خلفاً للشهيد الدكتور المؤسس فتحي الشقاقي وكان عمره في ذلك الوقت 37 عامًا عندم حمل الأمانة والراية ليعبر بالحركة العديد من المراحل الصعبة والمهمة على مدار 23 عاما من القيادة التي أثمرت بناءً تنظيميا متماسكا وقويا ومؤثرا على الساحة الفلسطينية والعربية وحتى الدولية.
وأشار القيادي "محمد" ، إلى أن حركة الجهاد الإسلامي ازدات قوة وصلابة ومنعة في عهد أبو عبد الله وخاصة عندما بدأت الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) وتأسيس الجناح العسكري سرايا القدس التي كانت نموذجاً فريداً في المقاومة وردع هذا العدو الغاشم فكانت بصمات أبو عبد الله واضحة والذي في زمنه استطاعت السرايا أن تسجل العديد من الانتصارات والإنجازات في ميدان المقاومة.
كما تمكن الدكتور الراحل "رمضان" من إيصال حركة الجهاد الإسلامي إلى بر الامان كما قال شقيقه، "وإنه استطاع نشر هذا الفكر وهذا النهج الوطني الأصيل عبر العالم كله وينسج الكثير من العلاقات سواء التنظيمية والفصائلية في فلسطين وأيضاً الحركات والأحزاب العربية والإسلامية، كما تمكن بذكائه من ربط ونسج علاقات دولية مع الكثير من الدول وقرب وجهات النظر وجعلهم يلتفون حول القضية الفلسطينية وخاصة مع دول محمور المقاومة وعلى رأسهم الجمهورية الإسلامية في (إيران) وحزب الله في لبنان والحركات السلامية في المغرب العربي وكذلك في سوريا التي بقيت تحتضنه حتى وفاته أخيراً".
مواقف من الذاكرة
ويستذكر "محمد" شلح، أبرز موقف بينه وبين شقيقه الراحل د.رمضان: بقوله "قبل ثلاث سنوات ذهبنا لزيارته والاطمئنان عليه بعد أن أجرى عملية جراحية ونصحناه بأن يفكر بمستقبل أبنائه بسبب حالته المرضية، واقترحت عليه بأن يشتري قطعة أرض أو شقة ليزوج بها أبناءه؛ ولكن رد علي وقال "إن أولادي وزوجتي أتركهم في رعاية الله سبحانه والله لن يتركهم ولن يضيعهم إن شاء الله، وبذلك مضى الراحل الكبير ولم يترك خلفه أي عقار مسجل باسمه وباسم أولاده، فقد كان زاهداً في هذه الدنيا حتى رحيله.


التعليقات : 0