غزة/ قاسم الأغا:
مع بدء العد التنازلي لتنفيذ مخطط ضم دولة الاحتلال للأغوار ومساحات واسعة من الضفة الفلسطينية المحتلة مطلع الشهر المقبل، ما زالت مواقف الدول العربية حبيسة الرفض الإعلامي فقط، والتحذير المتكرر من تبعات تمرير المخطط على أمن واستقرار المنطقة.
ووصف محلّلان سياسيان ، الموقف العام للدول العربية بـ "غير الجاد" في مواجهة "الضم"، ودعم الموقف الفلسطيني الرافض للخطوة، فيما وصف ثالث مواقف دول عربية بـ "المسيء" للقضية الفلسطينية.
واستبعد المحلّلون الثلاثة في مقابلات منفصلة مع صحيفة "الاستقلال"، أن تُقدم هذه الدول على اختراق موقفها التقليدي المعروف المجرّد من الفعل، والمنسجم أيضًا مع إرادة المجتمع الدولي.
وتعتزم دولة الاحتلال البدء الفعلي لعملية الضمّ مطلع يوليو (تموز) المقبل، استنادًا لاتفاق تشكيل حكومة الاحتلال الحالية بين رئيسها "بنيامين نتنياهو"، وزعيم حزب "أزرق أبيض" "بيني غانتس" نهاية أبريل (نيسان) المنصرم.
ورداً على ذلك، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بمايو (أيار) الماضي، التحلّل من الاتفاقيات والتفاهمات مع الحكومتين الأمريكية و"الإسرائيلية"، وما يترتب عليها من التزامات بما فيه التنسيق الأمني، واستكمال التوقيع على طلبات انضمام فلسطين إلى المنظمات والمعاهدات الدولية غير المنضمّة لها.
ضعف وهوان
الكاتب والمحلل السياسي د. أسعد جودة، قال "إن الموقف العربي إزاء مخططات الضم التي تعد تتويجًا لما فرضتها الوقائع على الأرض، يصل إلى مستوى "الضعف والهوان"، في وقت ترى فيه دول الاحتلال أن تنفيذ هذه المخططات في ضوء دعم الإدارة الأمريكية اللامتناهي لها "فرصة ذاهبية لا تتكرر". وأضاف جودة لصحيفة "الاستقلال" "الموقفان الرسمي سواء العربي أو الفلسطيني ما زالا مجرّدان من الفعل، وكلاهما منسجم مع إرادة المجتمع الدولي".
وقلل من جدوى التصريحات التحذيرية "الخشنة" التي أدلها بها زعماء دول عربية؛ ردًا على قرب تطبيق "الضم"، متسائلًا "أين هي مواقفهم الجادة من الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل سفارة واشنطن إليها؟".
في مقابل ذلك، بيّن أن الرهان الحقيقي على الفلسطينيين، "فهم قادرون على الدفاع عن أرضهم ووجودهم، وإحباط مخططات الضم، وإسقاط صفقة القرن، وغيرها من الإجراءات التي تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق وثوابت شعبنا، وللقوانين والمواثيق الدولية".
وأشار إلى أن السلطة الفلسطينية قادرة على "قلب الطاولة"، حال قرّر الرئيس محمود عبّاس تغيير قواعد اللعبة، والتفت إلى شعبه ومكنوناته، وتوجه نحو تفعيل المقاومة الشعبية، وتجسيد الوحدة والوطنية السياسية والميدانية.
ورأى أن "توحيد المواقف الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية بات ضرورة وطنية ملحّة في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة، وهو ما قد يشجع الدول العربية لاتخاذ موقف جاد وشجاع، ينسجم والرفض الفلسطيني للضم وصفقة القرن؛ أما دون الوحدة الداخلية فستبقى القضية الفلسطينية في حالة اختزال وتآكل".
موقف مسيء
واتفق الكاتب المحلل السياسي د. ناجي الظاظا، مع سابقه، على "عدم جديّة الدول العربية، في اتخاذ مواقف ضاغطة على دولة الاحتلال، وإجراءات داعمة لرفض الفلسطينيين لمخططات ضم الأغوار ومساحات واسعة من الضفة الفلسطينية المحتلة.
وقال الظاظا لصحيفة "الاستقلال"، "المواقف العربية إجمالًا لا تخدم مواجهة مخططات الضم، وصفقة القرن"؛ لكنه لفت في الوقت ذاته إلى أنه "لا يمكن وضع تلك المواقف في سلّة واحدة".
وتابع "هنالك دول متواطئة، وتحاول أن تقدم للاحتلال تسهيلات، عبر رحلات تطبيعية، وتصريحات إعلامية، ومقالات تُنشر في الصحف ووسائل الإعلام العبريّة، خصوصًا في هذه الآونة".
إضافة إلى ذلك، بحسب الكاتب والمحلل السياسي، فمن الدول من عبّرت بشكل صريح عن معارضتها ومخاوفها من تنفيذ مخططات الضم، المستندة لصفقة القرن.
وأكد أن المواقف العربية تسيئ للقضية الفلسطينية، من خلال تخليها عن مواقف جامعة، تم اتخاذها، في إشارة إلى ما نصت عليه مبادرة السلام العربية التي عقدت في العاصمة اللبنانية، بينما الشعوب العربية جمعاء، ترى في القضية الفلسطينية أنها قضيتهم المركزية الأولى.
وتبنّت القمة العربية المنعقدة في بيروت عام 2002، مبادرة خادم الحرمين الشريفين آنذاك الملك عبد الله بن عبد العزيز بشأن تطبيع العلاقات العربية مع دولة الاحتلال، شريطة انسحاب الأخيرة إلى حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967.
وأكمل المحلل الظاظا "للأسف هنالك دول تخلت عن مواقفها المبدئية من دعم قضيتنا، مقابل دعم الاحتلال، عبر بوابة التطبيع الخفي والعلني، دون أية مكاسب لشعوبها"، معبرًا عن عدم تفاؤله في تغيير الأنظمة العربية لنحو إيجابي، داعم ومساند للقضية.
خيانة للمطبّعين
بدوره، عبّر الكاتب والمحلل السياسي د. يحيى رباح عن أهمية المواقف الدولية والعربية الرافضة لمخططات الضم، التي تُعد جزءًا أساسيًا من صفقة "ترمب –نتنياهو".
ولفت رباح في مقابلة مع صحيفة "الاستقلال" إلى أن هذه مواقف الدول العربية وإن كانت في إطار التصريحات الإعلامية فقط؛ إلّا أنها تعزز من مخالفة وانتهاك الضم والصفقة للاتفاقيات والقوانين الدولية كافة.
وأدان ما وصفها بـ "النماذج العربية الممارسة للتطبيع"، مؤكدًا أن الهرولة نحو التطبيع "خيانة للقمم العربية، خصوصًا القمة العربية عام 2002 في بيروت"، مضيفًا "العرب المطبّعون يخونون أنفسهم أولا، قبل خيانتهم للقضية الفلسطينية".
ودعا الدول العربية إلى الالتزام بمسؤولياتها تجاه القضية الفلسطينية، ودعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، إلى حين تحقيق مطالبه بإنهاء الاحتلال، وإقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس.
وشدّد على أنه وخلافًا لأية مواقف فإن "القضية الفلسطينية ستبقى حاضرة وعميقة ولها شعب متمسك بعدالة قضيته، ويقدم نماذج غير عادية في خضم نضاله الطويل ضد الاحتلال".
وسيطال مخطط الضم ما لا يقل 30 % من مساحة الضفة المحتلة، كما يقول رئيس حكومة الاحتلال "بنيامين نتنياهو"، في وقت تواصل فيه لجنة مشتركة بين "واشنطن" و"تل أبيب" منذ أسابيع رسم خرائط مزعومة للأراضي المعتزم ضمّها، تمهيداً لاعتراف أمريكي بها، وفق "صفقة القرن"، المعلنة في 28 يناير (كانون الثاني) المنصرم.
وتضمنت الصفقة المرفوضة فلسطينيًا بنوداً عدة، أبرزها أن تكون القدس المحتلة "عاصمة غير مقسمة" لدولة الاحتلال، ورفض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي المحتلة سنة 1948، والإبقاء على مستوطنات الضفة المحتلة، ومنطقة غور الأردن وشمال البحر الميت، تحت السيطرة الكاملة للاحتلال.
كما تشترط اعتراف الفلسطينيين بما تُسمى "يهوديّة إسرائيل"، ونزع سلاح المقاومة في قطاع غزة، على أن يُنظر حال تحقيق ذلك في إمكانية إقامة دولة فلسطينية "منزوعة السيادة"، على ما تبقى من أراضٍ بالضفة وغزة، تربطها جسور وأنفاق.


التعليقات : 0