القدس المحتلة/ الاستقلال:
أكد الباحث والمختص في التخطيط البروفيسور راسم محيي الدين خمايسي أن سلطات الإحتلال الإسرائيلي هدمت بين عامي ٢٠٠٤-٢٠١٩ نحو ٩٧٠ منزلا فلسطينيا في القدس الشرقية المحتلة، بمعدل ٦٥ منزلا سنوياً، وأن دخل بلدية القدس لعام ٢٠١٨ من محكمة البلدية بلغ حوالي ٢٥ مليون شيكل غرامات على البناء غير المرخص، حوالي ٧٠٪ منها من المباني الموجودة في القدس الشرقية.
وأوضح البروفيسور خمايسي في تصاريح صحفية ، أنه وفق معطيات قدمتها البلدية لمنظمة السلام الآن الإسرائيلية، فقد أصدرت رخص بناء لـ ٩٥٣٦ وحدة سكنية بين عامي ١٩٩١ – ٢٠١٨، كان منها ١٦،٥٪ فقط للمقدسيين.
وقال: "تزداد معاناة المقدسيين والتمييز ضدهم نتيجة الفجوة الكبيرة، ففي الفترة بين عام ٢٠٠٩-٢٠١٨، تم البدء ببناء ٢٦،٧٣٧ وحدة سكن بالقدس، كان منها حوالي ٤٩٠٠ وحدة في الأحياء الفلسطينية المقدسية. ويقدر النقص المباشر لوحدات السكن بين ٢٠١١-٢٠١٧ بحوالي ١١،٣٢٦ وحدة لسد حاجة الأسر المقدسية.
ووفق بلدية الإحتلال فإن عدد وحدات السكن غير المرخصة يقدر حالياً بحوالى ٢٠ ألف وحدة، تمثل نحو ثلث الوحدات التي يسكنها مقدسيون (٥٧٢٣٥ وحدة سكن عام ٢٠١٧)، وهذه الوحدات مهددة بالهدم، وبمعاقبة أهلها بغرامات باهظة.
وأشار خمايسي الى غبن وتمييز تمارسه بلدية الإحتلال بحق المقدسيين في كافة المجالات، وخصوصاً في التخطيط ورصد الميزانيات، وفي سد الفجوه الكبيرة في نقص الوحدات السكنية في القدس، التي تفتقر للغرف الصفية في المدارس، والحدائق، والمرافق العامة، وتعاني من إهمال خطير في البنى التحتية والطرق لصالح الاحياء الاستيطانية التي أقيمت على أراضيها خلال ٥٣ عاماً من الإحتلال.
وقال خلال لقاء عبر تقنية "زوم" إن حال الفلسطينيين هو نتاج احتلال استيطاني يقوم بتثبيت ذاته بالقوة وتغيير الواقع على الأرض، مستخدما رواية دينية توراتية تدفع لصراع أيديولوجي، جيو-سياسي، ديموغرافي، وتبرر هيمنته على الموارد المادية والمعنوية، مشيراً إلى أن المقدسيين يعانون من سياسة التمييز المُمَنْهجة من قبل الاحتلال الإسرائيلي ومؤسساته: البلدية ، سلطة الأراضي، وزارات مختلفة، بعد ان منحوا مكانة خاصة، مختلفة عن سائر الفلسطينيين الذين يسكنون الضفة الغربية المحتلة.
ولفت إلى أن المكانة التي منحت للمقدسيين "بعضها له سمات مؤقتة وأخرى ثابته"، شملت الأرض، المكان، الإنسان، المؤسسات الرسمية والشعبية، وأن السيطرة الإسرائيلية عُمقت على الأرض، وطبقت قوانين قسرية بشكل انتقائي على المقدسيين، فضلا عن تمييز واضح في الميزانيات المنفقة على تطوير شرقي القدس، ما أدى إلى قصور في توفير جميع المرافق وخاصة الشوارع والمرافق الصحية والتعليمية.
وأشار إلى أنه وضمن الاعتبارات الاستراتيجية لإسرائيل فيما يتعلق بمكانة فلسطينيي القدس، فقد أطلقت الحكومة الاسرائيلية مؤخرا مشاريع تستهدف الأحياء الفلسطينية بدعوى "تحسين جودة الحياة" و"تقليص الفجوات"، دون المساس بمكانة المقدسيين كما هي "المقيم الثابت"، كجزء من استمرار تهديد الانسان على اعتبار انه مؤقت.
وقال خمايسي: تطبق الحكومة الإسرائيلية، ومعها البلدية، سياسات ضبط ذات مركبات خشنة وناعمة تُبْقي مكانة المقدسيين كمقيمين "ثابتين"، يعانون من حال المؤقت، ويتم التعامل معهم على أساس أنهم أفراد وليسوا مجموعة قومية ذات مصلحة وطنية جماعية، مشيراً إلى أن هذه السياسات لم تتعامل معهم على أساس انهم تحت الاحتلال حسب القانون الدولي، ولم تمنحهم صفة المواطنة واستحقاقاتها حسب القانون الإسرائيلي، مما خلق فجوات كبيرة بين الأحياء الفلسطينية والمستعمرات الإسرائيلية في القدس الشرقية والغربية، ما يكشف زيف الإدعاء الإسرائيلي بان القدس الغربية والشرقية موحدة بعد الضم وفرض القانون الإسرائيلي على القدس الشرقية باستثناء قانون المواطنة.
ولفت إلى أن الصراع على السيادة بالقدس، خاصة منطقة البلدة القديمة، أحد اهداف وطموحات المشروع الوطني الفلسطيني مقابل المشروع الاحتلالي الإسرائيلي، الذي يحظى بقوة الدولة وحضورها، والتي تشرع القوانين وترصد الموارد الضخمة وتعرض سرديتها في المحافل الدولية، وتحظى بالدعم وخاصة من الولايات المتحدة، في حين يفتقر المشروع الفلسطيني لقوة الدولة، ويعتمد على حقه الأخلاقي، الوطني، السياسي لتحقيق حق تقرير المصير المدعوم والموثق بقرارات الشرعية الدولية بجميع ابعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتساهم في صياغة سرديته وتدعيم صمود أبنائه وحضورهم بالمكان لصد العدوان الاحلالي الذي يمارسه الاحتلال.
وأوضح خمايسي أن مكانة "المقيم الثابت" منحت للمقدسيين بموجب قانون "الدخول لإسرائيل-1952"، وهي مكانة تمنح لمن يدخل إسرائيل لغرض العمل، متنكرة لكونهم هم المواطنون الأصلانيون. كما منح المقدسيون بعد عام 1967 بطاقة الهوية الإسرائيلية، وهي هوية خاصة بالمقدسيين وتشبه الإسرائيلية في التصميم واللون لكنها لا تمنح حاملها نفس الحقوق والواجبات، ولم يمنحوا المواطنة أو تفرض عليهم المواطنة حسب قانون المواطنة الإسرائيلي لعام 1950.
وقال: هناك اجماع فلسطيني على رفض التقدم بطلب الجنسية الإسرائيلية، وبالمقابل ترفض إسرائيل على الغالب طلبات الجنسية المقدمة من المقدسيين، ومنذ عام 2003، قدم حوالي 15 ألف مقدسي طلب الجنسية الإسرائيلية، (من أصل 330 ألف مقدسي)، وصادقت إسرائيل على أقل من ستة آلاف طلب.
وتتيح مكانة "المقيم الثابت" للمقدسيين حق الانتخاب للبلدية، وتمنعهم من حق الانتخاب للبرلمان ونيل جواز سفر إسرائيلي، وبذلك بقوا عرضة للتهديد بنزع هويات إقامتهم وطردهم من القدس، فضلا عن إشكاليات متعددة تتعلق بالسفر إلى الخارج، علماً أن معظم المقدسيين لا يشاركون في الانتخابات البلدية (طوعا) والقطرية الإسرائيلية (طوعا وقسراً) لاعتبارات وطنية.
وأوضح خمايسي أن أحد المجالات التي يعاني منها المقدسيون بتمييز ملحوظ، تتمثل بالتخطيط المكاني المقونن (Statutory) الضابط Regulative والإسكان. حيث يستخدم التخطيط كأداة سيطرة، تحول دون توفر الإسكان اللائق وفرص العمل، وتستخدم رخصة البناء ووثيقة ملكية الأرض – كوشان الطابو- كأداة للتمييز بين المقدسيين والإسرائيليين في القدس.
وقال: "حاليا تمتد الأحياء الفلسطينية (حسب تعريف بلدية القدس) على حوالي 46.711 دونم، بعد أن صادرت وتملكت إسرائيل حوالي 26.3 ألف دونم من مساحة القدس الشرقية". ووصلت مساحة هذه الاحياء المخططة والمخصصة للسكن بها ويمكن استصدار رخص بناء لحوالي 9.844 دونما، أي حوالي ربع المساحة المستخدمة للسكن في مجمل القدس (41.690 دونما عام 2013)، وأن مجمل الأراضي المخططة لاستخدامات التطوير فقد بلغت حوالي 18.627 دونماً من أصل 37.300 دونم شملتها مخططات هيكلية مصدقة وتوجيهية للأحياء الفلسطينية؛ أي حوالي 14.8% من منطقة نفوذ بلدية القدس الحالي، أي فقط حوالي 8.5% من منطقة النفوذ مخصص للسكن الفلسطيني، وان بعض الاستخدامات كالطرق والمناطق المفتوحة في القدس الشرقية تخدم كذلك المستوطنات الإسرائيلية.
واشار خمايسي الى ان معظم المخططات الهيكلية المحلية المصدقة للأحياء الفلسطينية منحت حقوق بناء منخفضة تتراوح بين 25% -75% على الغالب، وتعاملت مع الأحياء المقدسية كمجتمعات قروية، مثل صور باهر، وبيت حنينا وشعفاط أو كمناطق معلنة لحفظ الموروث، كمنطقة البلدة القديمة وحوضها البصري، مما يحول دون استصدار رخص بناء فيها. كما وان إشكالية تسوية الأراضي وتسجيلها تعيق إمكانية اصدار رخص بناء بحجة عدم وجود إثبات ملكية حسب القانون الإسرائيلي، رغم توفر إخراج قيد او حيازة وامتلاك حسب الأعراف.
وحاليا فإن 90% من الأحياء الفلسطينية المقدسية (46 كلم مربع) لا توجد فيها تسوية، بعد أن عُطِل عمل موظف التسوية بقرار حكومي، لذلك فإن عملية اصدار رخص بناء معاقة بسبب إشكالية اثبات الملكية، خاصة بعد ان اقرت الحكومة الإسرائيلية العمل بتعديل قانون التنظيم والبناء رقم 101 و 104 والذي يلزم منع لجان التنظيم المحلية، إصدار رخصة إلا في حالة توفر إثبات ملكية على ارض منظمة حسب مخطط هيكلي، وتقسيم رسمي مقر من السلطات المختصة، ما دفع بالمقدسيين للبناء بدون ترخيص وأدخلهم في ضائقة سكنية وملاحقة جنائية.


التعليقات : 0